السؤال- التحدي، المطروح في الساحة -عربياً ودولياً- وبإلحاح: لماذا يخفق العرب في تطبيق الديمقراطية في بلادهم؟! بطبيعة الحال، هناك أجوبة عديدة تمثل توجهات مختلفة أيديولوجية وسياسية وفكرية، ولا أريد في هذا المقال مناقشتها، وقد تكون صحيحة أو دون ذلك. ولكن المحصلة النهائية الماثلة أمام أعيننا والتي نعايشها جميعاً لكل الجهود والتجارب -بعد قرن كامل- في أنماط الحكم العربي وفي أساليب المعارضة السياسية، وبالرغم من تعدد المحاولات المبكّرة لاستيراد أشكال وآليات ديمقراطية ومنذ بدايات القرن الماضي وحتى الآن لم تفلح في تحقيق الديمقراطية المنشودة!
أنا متفهم وجهة النظر القائلة إن هناك معوّقات كثيرة -داخلية وخارجية- حالت دون نجاح تطبيق الديمقراطية في دنيا العرب، ولكن هل يُتصور أن تستمر تلك المعوقات -قرناً- ولا نستطيع علاجها أو تجاوزها؟! هل يُعقل -طبقاً للمفكر اللبناني علي حرب- بعد قرن من المناداة بالحرية والاستنارة والعقلانية، أن نجد أنفسنا عند درجة الصفر؟! ألا ينبغي -يضيف حرب- أن يكون هذا التراجع، مدعاة لمراجعة ثوابتنا، وإلى نقد مشاريعنا الفكرية والسياسية والثقافية؟!
"علي حرب" في كثير من كتاباته المعمقة، مهموم بدعوتنا إلى مراجعة ما نظنه أو نعتقده "ثوابت فكرية" و"تصورات مقدسة" و"قضايا كبرى"، لعل مكمن الخطأ أو الخطل في "الفكرة" أو "التصور" أو "القضية". فأنت عندما تناضل طويلاً دفاعاً عن قضية أو فكرة أو تصور ثم تتراجع إلى الوراء، عليك إعادة النظر في مرجعيتك الفكرية ووسيلتك النضالية من أجل ابتكار أفكار جديدة ومهام جديدة، لأن ما تدافع عنه أو تخشى عليه أو تعلي من شأنه -كما يقول حرب- قد يكون هو مصدر الفشل والإخفاق.
أريد أن أوظف مقولة حرب في هذه المقالة، لأزعم، أن مصدر إخفاق نخبنا العربية -الدينية والفكرية والسياسية- وعلى مدى قرن من الزمان وحتى الآن، أنها ركزت جهودها وطاقاتها كلها على إصلاح "البُنية التحتية" أي -النظام السياسي- و"الديمقراطية السياسية"- وذلك على حساب "البُنية التحتية"، أي"الديمقراطية الاجتماعية". اهتمت بـ"السياسي" دون "الاجتماعي"، فلم توجه جهودها نحو ترسيخ "قيم" الديمقراطية، وحقوق الإنسان في "التربة الاجتماعية" كقيم وعلاقات وبخاصة على مستوى التنشئة الأولى: تربية وفكراً وسلوكاً وممارسة في البيت، في المدرسة، في الجامعة، في الجمعية، في النادي، في الحزب. فلم تترسخ الديمقراطية ولم تثمر شجرتها الوليدة، ولم تغرس جذورها في الأرض العربية لتقاوم العواصف الهوجاء، بل اقتلعت عند هبوب أول ريح انقلابية مدمرة.
"النخبة العربية" على امتداد قرن وهي تطالب بـ"إصلاح الحاكم" أولاً لا "المحكوم"، وقد استمر انشغالها بـ"السياسي" و"الأيديولوجي" على حساب "الاجتماعي" و"التربوي" و"التعليمي" و"القيمي"، فوصلنا إلى طريق مسدود في النهاية. وأفرزت كل تلك الجهود، شخصيات متلونة، تتظاهر وتنادي بقيم ديمقراطية ومساواة وحقوق إنسان وتمارس نقيضها -تماماً- سواء في الميدان السياسي أو الثقافي أو الديني، فكانت خسارتنا مزدوجة "الديمقراطية" والإنسان.
إن الأفق الذي حكم مجمل ممارسات "النخب" و"المعارضة السياسية" وحتى الآن "مفهوم تراثي" ضيق، هو أنه بـ"إصلاح الحاكم تصلح الرعية" انطلاقاً من "أن الله يَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن"، وهو الأمر الذي شغل الفقهاء القدامى -رحمهم الله تعالى- وعبر قرون متطاولة. لذلك لم يتصوروا إصلاحاً إلا بوجود "الحاكم العادل" أو"الإمام الصالح" وأجهدوا أنفسهم بوضع شروط دينية واجتماعية وسياسية متشددة لهذا السلطان المنشود والمنوط به الإصلاح والعدل والشورى، وكل ذلك في ظل غياب أو "تغييب" تام للرعية المحكومين ودورهم الإيجابي في هذا الإصلاح المأمول. ومن هنا نفهم سر تعلق الجماهير بالبطل المنقذ -قديماً- (صلاح الدين) و-حديثاً- (سلسلة الزعماء الأبطال المهزومين) و-مستقبلاً- (المهدي المنتظر). وكذلك نتفهم أسباب بكاء وعويل قطاع من الجماهير على "البطل" وشدة تعلقهم به حتى بعد وفاته أو سقوطه المهين. هذا المفهوم التراثي الضيق للديمقراطية -الذي يهمش دور الأمة في الإصلاح- هو الذي هيمن على العقل العربي السياسي، فجعله يدور في فلك السلطة -تأييداً أو معارضة- أملاً في إصلاح الحاكم أو نصحه أو ترغيبه في الصلاح والتقوى والفضيلة، ومراهنة على "شخصيته" وصولاً إلى التغيير والإصلاح. وهذا -في زعمي- هو منشأ أو مكمن الخطأ. لماذا؟!
لأن "القضية -طبقاً لعبدالله الحامد- الإصلاحي السعودي والذي نحمد الله بمناسبة الإفراج والعفو عنه، أعمق من ذلك بكثير، والفرد مهما كان له من دور، لا يستطيع الانفلات من حقل الحركة الاجتماعية المغناطيسي. والحاكم ليس هو المسؤول وحده عن الصعود أو الهبوط، والعلاقة بين الحاكم والأمة، ليست علاقة القلب بالأعضاء، إن صلح الحاكم، صلحت الأمة، ولا يُعقل أن يكون المجتمع صالحاً والحاكم أو الدولة هي الفاسدة -كما هو السائد في الوهم العربي- فالعلاقة تبادلية، أي أن الد