عندما بثت القناة الفضائية "إياها" شريط الفيديو الذي يظهر الجاهل "أيمن الظواهري" وهو يعوي محذرا بسفك دم كل من ليس على مزاجه، لم يكن السؤال الذي خطر على بالي: "لماذا سمحت هذه القناة ببث مثل هذه المهزلة؟".. بل كان السؤال الذي ما زلت أبحث عن إجابة له هو: "كيف حصلت على تسجيل بهذا الوضوح وهذه الدقة لإرهابي مجرم تبحث عنه العدالة في كل أرجاء العالم؟".
هناك قواعد أخلاقية تتحكم في العمل الإعلامي، وإحدى أهم هذه القواعد هي الالتزام بمواثيق الشرف التي تحكم هذه المهنة. فالإعلام وسيلة بانية وليس أداة هدم، وحين نتكلم عن الحرية الإعلامية بمفهومها الشامل، فإننا نتكلم عن سلسلة من القواعد والأسس والمبادئ الأخلاقية التي تساعد الوسيلة الإعلامية على الرقي بمفهوم هذه الحرية.. تلك المبادئ التي تبعد بها وسائل الإعلام نفسها عن أية شبهات أو انتماءات أو تجاوزات أخلاقية.
وعندما تكلم المحدثون والمحللون والمعنيون بالأمر عن ظاهرة انتشار الفكر المتطرف الذي ينبت الإرهاب، فإن من أهم النقاط التي كانت أحاديثهم تصب حولها هو الوسائل التي تساعد على نشر التطرف والجهل والأمية الدينية بين شباب الجيل الذي صار يقع الواحد تلو الآخر منهم ضحية التشويش.
والحقيقة الماثلة كالشمس أمامنا، هي أنه لن يمكننا القضاء على انتشار الأفكار المسمومة والهدامة، القائمة على فهم مشوه تماما للأديان السماوية كلها، إذا لم نقطع الاتصال بين منبع الفكر الذي يصدر التطرف، وبين العقل الغض والطري الذي يعتبر المصب لهذا الفكر الشيطاني عندما يستقبل مثل تلك الأفكار المتطرفة.. ووسائل الإعلام هي إحدى أهم الأدوات التي من خلالها يمكن لقادة الجهل والشياطين من أمثال الجاهل "الظواهري" وأبو الجهالة "أسامة بن لادن" وتابعهما "الزرقاوي"، وغيرهم من الشياطين الذي استطاعوا بخبث وخسة ونذالة العبث بعقول جيل بأكمله من الشباب المسلم، وإدارتهم والتحكم بهم لتحقيق مصالح وأمجاد ذاتية.
وحين تمنح وسيلة إعلامية الفرصة بهذه السهولة وتقدمها لهم على طبق من ذهب، فإن السؤال الذي يحوم حول هذا الأمر هو أولا: "لماذا تتعامل هذه الوسيلة الإعلامية مع قادة الفكر الإرهابي ومع مطلوبين للعدالة ومع من تلطخت أياديهم بدماء الآلاف من الأبرياء من كل الأجناس والأديان؟".. وثانيا: "كيف تتعامل معهم وما هي وسيلة الاتصال بين الطرفين؟"..
إن مجرد حصول قناة تلفزيونية على شريط مسجل بهذا الوضوح وهذه الدقة لمجرم وشيطان مثل "أيمن الظواهري"، يعني أن هناك "صلة ما" بين هذا الأخير ومن حصل على مثل تلك البضاعة الفاسدة.. وهذه "الصلة" إما أن تكون اتصالا مباشرا أو غير مباشر.. فإذا كان اتصالا مباشرا، كانت المصيبة عظيمة، لأنه يعني مشاركة الوسيلة الإعلامية قادة الإرهاب أفعالهم، وذلك بالتحول إلى بوق إعلامي لهم ببث السموم القاتلة التي يرسلونها بين الحين والآخر لتخريب عقول وأفكار الشباب المسلم..
أما إذا كانت طريقة حصول الوسيلة الإعلامية على الهذيان الذي أدلى به الجاهل أيمن الظواهري هي غير مباشرة، فإن ذلك يعني أن هذه الوسيلة الإعلامية تخرق كل المبادئ والمواثيق المتعلقة بأخلاقيات وشرف المهنة.. ذلك لأن بث هذه الأفكار والترويج لقادتها، هو أشبه ما يكون بالترويج للعصابات التي تهرب المخدرات أو تقوم بتصدير الأشرطة المخلة بالآداب بين الشباب.. فهذه جريمة.. وتلك جريمة أعظم وأقبح..