يواجه العالم العربي تحديات جسيمة في العراق وفلسطين لم يعد ينفع معها الاستمرار في تبني مواقف سلبية والاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين، بل لم يعد مجديا تبادل الاتهامات حول من المسؤول عن الأزمات التي يعيشها العرب اليوم. فقد حان الوقت لإظهار قيادة حكيمة ورؤية نافذة تخرج العالم العربي من أزماته. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟ لنبدأ أولا بفلسطين.
لا شك في أن إقدام إسرائيل على إخلاء مستوطناتها من غزة يطرح تحديات كبيرة وفرصاً واعدة للفلسطينيين يتعين انتهازها دون إبطاء. فإسرائيل قامت بخطوتها تلك بصفة أحادية دون استشارة من أحد، كما أنها لا تبدي أي رغبة في تبني خريطة الطريق ومواصلة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. وبالرغم من أن إسرائيل سترحل عن غزة، إلا أنها ستظل القوة المهيمنة على القطاع الفقير والمحتقن ما دامت تسيطر على المعابر الحدودية في البر والبحر وتعتزم الإبقاء على تحكمها في الأجواء الفلسطينية. وليس خافيا أنه بدون إقامة ربط بين غزة والضفة الغربية ووصلها بالعالم الخارجي فإنه لا يمكن اعتبار القطاع محررا أو أنه ينعم بأي شكل من أشكال الحرية، لأن غزة في هذه الحال لن تتمكن من تطوير اقتصاد مستدام أو إقامة دولة قابلة للحياة.
ومع ذلك فإنه من الضروري الشروع في بناء البنية التحتية وتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين عن طريق توفير فرص العمل للشباب العاطل ومنح الأمل مجددا للأهالي الذين طالما عانوا من الحرمان في ظل الاحتلال. وبالطبع يتطلب ذلك تقديم الدعم للسلطة الفلسطينية حتى تتمكن من النهوض بمسؤوليتها وتوفير ما يلزم من الأمن والخدمات للمواطنين. ولعل القرار الحكيم الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة باستثمار 100 مليون دولار لبناء مدينة جديدة تسع ما بين 30 و40 ألفاً من سكان غزة ينير لنا الطريق لما يجب أن يحظى به القطاع من اهتمام عربي ودولي في هذه اللحظة. بيد أن هذه الخطوة الإيجابية من جانب دولة الإمارات يجب أن تتبعها خطوات عربية أخرى، حيث يتوجب إقامة صندوق عربي طارئ لتنمية وإعادة إعمار غزة لمساعدة الفلسطينيين على مواجهة المشاكل العديدة التي تنتظرهم، لا سيما في مجال إعمار ما دمره الاحتلال وضمان حد معقول من العيش الكريم للمواطنين.
وبالتزامن مع هذه الجهود ذات الطبيعة الاقتصادية التي ترمي إلى إعادة الأمل إلى الفلسطينيين يتعين بذل جهود إضافية على الجبهة السياسية. وفي هذا الصدد سيكون مفيدا للغاية قيام العاهل السعودي الملك عبدالله بإعادة إحياء المبادرة العربية للسلام التي تؤيدها الجامعة العربية، بعدما تم إطلاقها لأول مرة في قمة بيروت سنة 2002. ولا يجب التوقف عند إطلاق المبادرة، بل من الضروري أن تعقبها حملة دولية يقوم بها العرب للتأثير على الرأي العام في أميركا وإسرائيل وتسويق خطة السلام لدى الرأي العام الدولي. ولا شك أن ذلك سينزع المبادرة من أيدي شارون ويرجعها إلى الملعب العربي الذي سيطرح رؤيته الجديدة للسلام الشامل والعادل. وسوف تمنح هذه الرؤية القيادة العربية فرصة للتأثير ليس فقط على النقاش الجاري داخل إسرائيل والولايات المتحدة، بل على قوى السلام في الجانبين وإشاعة المزيد من الأمل بالنسبة للفلسطينيين.
وبنفس الدرجة من الاهتمام يتعين علينا كذلك التحرك تجاه العراق. فقد بات واضحا أن تواجد الولايات المتحدة في العراق خلف فوضى عارمة، وهي إلى حد الآن لا تملك خطة متماسكة لتحسين الأوضاع. بيد أنه يجب التعاطي مع ما يموج به الواقع من اضطرابات، خصوصا في ظل الصعوبات التي تكتنف عملية صياغة دستور دائم للشعب العراقي. فبسبب التخبط الأميركي ظهر وضع أمني مترد مرشح للانفجار في قلب العالم العربي. فمن جهة تملك القيادة الكردية رؤية خاصة بمنطقتها، ومن جهة أخرى يتمتع الإيرانيون بموقع مريح يراقبون الأمور من خلاله. وبصرف النظر عن النتائج المحتملة للعملية السياسية وتأثيرها على هوية ووحدة العراق، فإن ما نلاحظه بشكل لافت هو غياب رؤية عربية حول ما يجري من أمور. وفي هذا الصدد يمكن إطلاق مبادرة عربية "لإعادة الإعمار والمصالحة" تُشرك كافة العراقيين لمناقشة مستقبل البلد وعلاقته بالمنطقة ككل. هذا ومن المهم كذلك ألا ينتظر العرب حلا أميركيا للقضية العراقية، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى تجاذب الأطراف المختلفة وتهديد وحدة البلد.
جيمس زغبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس المعهد العربي الأميركي