جسّد الانسحاب الإسرائيلي من غزة أهمية الإعلام بالنسبة لتقاليد العمل السياسي الإسرائيلي، فقد تمكنت حكومة شارون من استغلال وسائل الإعلام وخاصة التلفزيونية منها، إلى أقصى حد ممكن لتصوير عملية الانسحاب على أنها تنازل مؤلم أقدمت عليه، على رغم "فداحة" الثمن، واستمرت فيه بإرادة وإصرار، مع أن أبناء شعبها من المستوطنين كانوا يرفضونه بقوة، ولكن "رغبة" شارون العارمة في السلام والانسحاب وفك الاشتباك مع فلسطينيي غزة لا يمكن أن يوقفها شيء، أو هكذا بدت الصورة بالنسبة لمن يرون الأحداث دون أن تكون لديهم خلفية عما جرى ويجري في المنطقة منذ عدة عقود. وقد وقف الإعلام الغربي بكل زخمه وثقله وراء ترويج هذا التصور المغالط وقدمه بكل الوسائل الممكنة لملايين المشاهدين المتحلقين حول شاشات التلفزيون في قارات العالم الخمس، حيث رأوا "دموع المستوطنين" تسيل لمفارقة "بيوتهم"، بل ودموع جنود الاحتلال أنفسهم تنهمر، لأن الأوامر العسكرية الصارمة الصادرة إليهم كانت تلزمهم بطرد وإجلاء أهلهم وأبناء شعبهم من بيوتهم وقراهم "عنوة"، حتى لو اقتضى الأمر استخدام القوة و"البطش".
هذا ما كان مشاهدو التلفزيون حول العالم يرونه ويسمعونه خلال الأيام الماضية، ولكن لم يسمع أحد بأن غزة أرض فلسطينية ظلت ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي الغاشم منذ 38 عاماً، أحرق فيها الأخضر واليابس، وطرد خلالها الفلسطينيون العزل من بيوتهم ومزارعهم لتستوطن فيها آلاف الأسر اليهودية القادمة مما وراء البحار، وقد ظلت الأمم المتحدة ومجلس الأمن يصدران خلال أربعة عقود تقريباً القرار تلو الآخر للمطالبة برد الحق إلى أهله، وللتأكيد على أن ما بني على واقع الاحتلال فهو باطل. وهنا تبدو براعة الإعلام الإسرائيلي كبيرة، أما الإعلام العربي ممثلاً للأسف في بعض فضائياته فلم يكن موفقاً من خلال تغطيته المحمومة لعملية إخلاء غزة، وكان يتعين عليه عدم الانسياق إرادياً أو لاإرادياً، وراء ما يريد شارون تسويقه من مغالطات عن عملية الانسحاب، وقد كان بإمكان الفضائيات العربية أن تقدم صورة مغايرة للمسرحية الإسرائيلية بإبراز أن ما يقدم على أنه تنازل مؤلم من أجل السلام ما هو في الواقع سوى رضوخ تأخر وقته نحو أربعة عقود من الزمن لعشرات القرارات الشرعية الدولية، كما أن الإسرائيلي الذي ينسحب الآن من غزة بعد أن استغلها كل هذه الفترة، والذي يدمر بيته وراءه، هذا الإسرائيلي استغل الأرض والموارد الطبيعية كل هذه الفترة ظلماً وعدواناً دون وجه حق، وها هو يذهب الآن دون دفع ثمن لقاء المنفعة التي استنزفها من أرض يقر هو نفسه الآن أنه لا علاقة له بها. وأن إسرائيل لا تقوم بالتنازل عن الأرض للفلسطينيين حباً في السلام، في حين تؤسس كل يوم مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، ويستحوذ جدار الفصل العنصري الإسرائيلي على أراضٍ جديدة وتشرد عشرات الأسر الفلسطينية من بيوتها، مع إشراقة كل شمس، وتزامناً للمفارقة مع مسرحية الانسحاب هذه من غزة، هذا إضافة طبعاً إلى أن الانسحاب الإسرائيلي الحالي لا يأتي في جملته نتيجة لرغبة شارونية مفاجئة في السلام، ولا تعبيراً عن إرادة في التراجع عن الظلم والاحتلال وإنما يقدم عليه الإسرائيليون مكرهين، فليس شارون هو أول قائد إسرائيلي يتمنى الانسحاب من جحيم غزة، بل لقد سبقه إلى ذلك رابين الذي قال ذات يوم إنه يتمنى أن يستيقظ يوماً فيجد أن البحر قد ابتلع غزة وأراح منها إسرائيل إلى الأبد!.