كانت ضربة مفاجئة وغير مرحب بها تلك التي وجهها د. هنري كيسنجر إلى إدارة الرئيس بوش عندما حذرها من مغبة الإقدام على سحب القوات الأميركية من العراق خلال النصف الأول من السنة المقبلة. وجاء ذلك التحذير في معرض رده عن التصريح الذي أدلى به قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال جورج كيسي مشيرا فيه إلى اعتزام الولايات المتحدة البدء في سحب أعداد مهمة من قواتها في ربيع أو بداية صيف السنة القادمة. وسيأتي هذا الانسحاب، حسب نفس المصدر، عقب انتخابات الجمعية الوطنية التي ستسبقها المصادقة على الدستور الذي يفترض الانتهاء من صياغته خلال الأسبوع الجاري.
فهل سيتم إنهاء الدستور العراقي في الموعد المحدد؟ وهل ستتم المصادقة عليه في استفتاء 15 أكتوبر؟ وهل ستشكل حكومة عراقية جديدة في مطلع 2006؟ هذه كلها أسئلة واستحقاقات يبقى موعد إكمالها في علم الغيب، بالرغم من أن بوش مازال يبدي ثقته الراسخة في نجاح العملية السياسية حتى بعد أن بدأ أعضاء الكونجرس المتنفذون يفقدون ثقتهم في الموضوع. غير أن ثقة بوش الكبيرة في إحراز النجاح بالعراق لا تنبني على إشارات بوجود تقدم ملموس بقدر ما تنبني على أمل زائف منفصل عن الواقع المزري. وسواء تعلق الأمر بالحرب أو ببرنامج البناء السياسي في العراق يعتمد بوش وإدارته على ذلك الأمل في تحسن الأوضاع حتى يتمكنوا من سحب أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين بالعراق في أجل أقصاه موعد تجديد أعضاء الكونجرس في نوفمبر 2006. وفي هذا الصدد صرح عضو كردي في لجنة صياغة الدستور لصحيفة واشنطن بوست أن المسؤولين الأميركيين يلقون بثقلهم في عملية إنهاء الدستور لأن ذلك يصب في مصلحة واشنطن أكثر مما يصب في مصلحة الشعب العراقي. والسبب أنه في حالة الإخفاق في تشكيل حكومة عراقية جديدة، وعدم القيام بسحب جوهري للقوات الأميركية قبل الانتخابات النيابية في أميركا، فإن جورج بوش سيكون آخر رئيس جمهوري يحكم الولايات المتحدة لسنوات طويلة.
لذا فقد جاء تحليل كيسنجر للوضع في العراق، وتحذيره للإدارة الأميركية من العواقب الوخيمة لسحب قواتها بمثابة طعنة في الظهر. فهو يتساءل عن المعايير العسكرية التي تسوغ إجراء الانسحاب في السنة المقبلة. فما دام لا يوجد خط مواجهة في الحرب، لا يمكن المعرفة بشكل موضوعي إلى أي طرف ستميل كفة الصراع، وبالتالي يتعذر قياس النجاح أو الفشل في الحرب. وهو يتساءل كذلك عما إذا كان الهدوء الذي تعول عليه الإدارة الأميركية عقب انتخابات الجمعية العمومية في ديسمبر 2005 يثبت انتصار الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب، أم أنه مجرد تكتيك يلجأ إليه المتمردون لخداع الأميركيين ودفعهم للخروج من العراق. ويدعم كيسنجر تحليله بالرجوع إلى ما حدث في حرب فيتنام محذرا من أن سحب القوات في غياب نصر مؤزر سيؤدي لا محالة إلى الهزيمة. وربما يكون التحليل الذي طرحه كيسنجر صائبا ولا غبار عليه، لكنه بالتأكيد ليس من النوع الذي يود جورج بوش ودونالد رامسفيلد أو الجنرال جورج كيسي سماعه، ورغم فشله الشخصي في فيتنام، إلا أنه مازال يشكل حضوراً في الرأي العام الدولي. وبنفس النبرة يتوقع كيسنجر اليوم، كما فعل ذلك قبل أربعة عقود في فيتنام، عواقب وخيمة لأميركا إذا لم تربح الحرب في العراق. لكنه بالمقابل لا يقول شيئاً عن الأوضاع المتردية في العراق كنتيجة للغزو الأميركي وما أفضت إليه من تنامي قوة المتمردين.
ويعزى إصرار كيسنجر على ضرورة مواصلة الحرب في العراق وعدم الخروج في هذه اللحظة إلى تخوفه من أن يسقط في "حالة من الفوضى العارمة" تحوله إلى دولة إسلامية متشددة وقاعدة مستقبلية لشن الهجمات على الدول العربية المعتدلة. ومع ذلك يبدو أن كيسنجر أغفل، كما في فيتنام، الدور الكبيرة الذي تلعبه المشاعر الوطنية في مثل هذه الصراعات، حيث أثبتت تجربة فيتنام أن أي تدخل في صراع يستلهم قوته من مشاعر وطنية سيؤول إلى الفشل. وحتى لو استبعدنا وجود مشاعر وطنية في العراق، فإن جميع الدارسين للأصولية الإسلامية المعاصرة يؤكدون على الدور الأساسي الذي لعبته الوطنية في تطورها. ويبدو مرة أخرى أن اعتقاد كيسنجر بأن ما يشهده العراق من فوضى واضطرابات خلفها الاحتلال الأميركي سيتم السيطرة عليها باستمرار تواجد القوات الأميركية يجافي كثيرا تجربة فيتنام وباقي التجارب الأخرى في العالم التي أثبتت العكس. فحتى قيادة الجيش الأميركي في العراق لم تعد تأمل في إحراز نصر قريب، وكل ما تتمناه حاليا أن تجد من العراقيين من هم مستعدون لمواصلة الحرب وترجع الجنود الأميركيين إلى ديارهم سالمين.
بيد أن كيسنجر لا يبرح موقفه في أن مستقبل العالم يتوقف على مواصلة أميركا لحرب لم تعد قادرة على ربحها. فحسب رأيه إما سيتحول العراق، في حالة النصر، إلى نموذج للتغيير وواحة للديمقراطية يحتذى بها في الشرق الأوسط، أو سيصبح بؤرة لصراع طويل لا نهاية له. ونتيجة للفوضى التي بدأت تلوح قاتمة فوق سماء العراق، فضلا عن انعدام التفكير المنطقي والعقلاني، بدأ فعلا ب