حسناً فعل المجلس الوطني العراقي عندما أجل البتّ في الدستور العراقي لمدة أسبوع، بسبب الخلافات حول بعض القضايا المهمة مثل الفيدرالية والهوية الجديدة، والدين وتقاسم الثروة وغيرها. الكثير من المواطنين المخلصين في العراق يرون ضرورة تأجيل العمل بالدستور لأكثر من عامين، فالدكتور غسان عطية في محاضرة له في الكويت في شهر يوليو 2005، طالب بالتمهل في كتابة الدستور، حيث قال بالحرف الواحد: "إن هناك فرقاً كبيراً بين ما يعرف بالعملية الدستورية من جهة وصياغتها من جهة أخرى، فالعملية الدستورية خاصة في بلد خارج من حرب أو ثورة سياسية، تتطلب وقتاً أطول (سنتان بالنسبة لألمانيا وخمس سنوات بالنسبة لجنوب أفريقيا وما يزيد على ثمانية أعوام في الولايات المتحدة) لضمان مشاركة مكونات الشعب في حوار وطني شامل يفسح المجال لبحث القضايا الخلافية، سعياً لإيجاد أرضية وقناعات مشتركة تؤسس لعقد سياسي تصوغه لجنة فنية ليصبح دستوراً للبلاد تلتزم به أطراف العقد كافة".
الأكاديمي العراقي الدكتور سيار الجميل كتب في "إيلاف" يوم الأربعاء 17 أغسطس 2005 "إن مبدأ التأجيل ما دام قد حصل فإن المناداة بتأجيل المسألة الدستورية لأربع أو خمس سنوات يمكنها أن تكون تحصيل حاصل ومن خلال إرادة عراقية وطنية موحدة بعيداً عن أي تدخلات... ناهيكم عن أن العراق سيشفى من كل جروحه وقروحه إن استمرت العملية السياسية جارية والانتخابات تمضي في موعدها، وليكن معلوماً أن العملية السياسية شيء والعملية الدستورية شيء آخر، إن بوناً شاسعاً وكبيراً بين صنع سياسة وسنّ قانون... إن العراق ليس ملكاً لمجموعة من الناس يريدون فرض دستور معين على الناس مستخدمين في ذلك كل أساليبهم السياسية وإعلاناتهم الشعاراتية ومناوراتهم الدينية على حساب انقسام المجتمع واهتراء بنيته التاريخية. إن العراق بحاجة إلى بداية حقيقية لتطبيق برنامج وطني حقيقي ضمن قانون إداري قوي يؤمن مصالحه الآنية ويبني له قاعدة سياسية من خلال أيادٍ نظيفة وعقليات راجحة باستطاعته بعد سنوات أن ينطلق من فوقها نحو المستقبل".
ما طرحه الأكاديميون العراقيون صحيح، كيف يمكن كتابة دستور جديد للعراق، ولدينا حزبان كرديان رئيسيان يسعيان إلى إقامة دولة كردية في الشمال، رغم حقيقة أن رئيس أحد الأحزاب يترأس الجمهورية العراقية. ماذا عن السُنة في الوسط وقياداتهم التي تتحالف وتعمل مع الجهاديين الإرهابيين من جماعة أبومصعب الزرقاوي وبقايا حزب "البعث" من الفاشيين؟ وماذا عن شيعة الجنوب الذين أصبحت أحزابهم الدينية تتاجر بالشعارات الإسلامية، وكل همها ليس مصلحة العراق الموحد، بل إقامة دولة دينية على النمط الإيراني؟
ما يحتاج إليه الشعب العراقي الشقيق في هذه المرحلة الصعبة، هو تحقيق الأمن والأمان ورفع مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين من ماء وكهرباء وطرق وصحة وتعليم وغيرها. الشعب العراقي أُبتلي بقيادات وأحزاب تتاجر بالشعارات القومية والدينية في عصر انتهى فيه حاملو الشعارات الفارغة.
التجارب الإنسانية في بناء الدولة الحديثة تخبرنا بأن الأيديولوجيات الشمولية سواء كانت قومية أو دينية أو اشتراكية لا تصلح لبناء دولة حديثة، بل ستكون أداة لخلق الكراهية والحقد والتفرقة بين الشعب الواحد.
على دول الخليج العربية توحيد سياساتها لتأكيد سلامة العراق واستقراره في ظل دولة عراقية ديمقراطية فيدرالية موحدة، يكون المواطنون فيها متساوين أمام القانون، وتوزع ثرواته على الجميع بالتساوي حسب عملهم وجهدهم.
القيادة الحزبية الطائفية التي تقود العراق اليوم فشلت في تقديم تصور واضح لعراق موحد بعيداً عن التفرقة الدينية والقومية والطائفية.