"إني أدعو الله أن ينهي حياتي قبل أن تبدأ الأعراض بالظهور. لا أريد أن أجلب المشاكل لعائلتي". كانت تلك هي الكلمات التي باح بها مهندس من إحدى الدول العربية عندما شخص بأنه حامل للفيروس المسبب للإيدز. وقبل تاريخ الكشف عن إصابته بالفيروس سنة 2001 كان يعتقد أن الإيدز مرض بعيد جدا ولا يصيب سوى الأجانب. وهو لم يكن يدري أن الوباء وصل إلى عتبات بيته، لذا يقول إنه يفضل قتل نفسه على أن يتعرض مع عائلته للرفض والنفور من قبل الجيران والأصدقاء الذين يقرنون المرض بالإثم والعار.
ويبدو بالنسبة للعديد من الأميركيين أن الإقدام على الانتحار هو رد فعل متشدد حيال الإيدز. غير أنه مع انتشار الوباء عبر العالم الإسلامي، لم تعد قصص الانتحار أمرا غير مألوف. ففي إيران مثلا يقدم 60% من المصابين بفيروس الإيدز على قتل أنفسهم بعد سنة واحدة من اكتشاف إصابتهم بالمرض وهو ما دفع رجلا إيرانيا في بلدة كيرمان بجنوب إيران إلى تقطيع ابنه البالغ من العمر 23 بفأس إربا إربا لأنه سقط في براثن المرض الخبيث. وبالرغم من مرور كل هذا الوقت على ظهور الوباء، إلا أنه من الصعب تقديم وصف دقيق حول حجم انتشار المرض في العالم الإسلامي. وبحسب الإحصاءات المتوفرة لدى البرنامج المشترك للأمم المتحدة حول الإيدز هناك ما يقارب 61 ألف حالة مصابة بالإيدز في إيران و180 ألف حالة في إندونيسيا، بالإضافة إلى 150 ألفا في باكستان. أما فيما يخص البلدان الإسلامية في أفريقيا فإن أعداد المصابين تفوق ذلك بكثير حيث يوجد في مالي لوحدها 420 ألف مصاب. غير أن المذهل حقا هو النقص الكبير في المعلومات لدى الأمم المتحدة التي لا تتوفر إلا على بعض الإحصاءات المتفرقة التي لا يمكن أن تشكل قاعدة بيانات حقيقية. والأدهى من ذلك أن غياب الإحصاءات الدقيقة حول عدد الإصابات في الدول الإسلامية يفسر على أنه غياب للمرض نفسه.
بيد أن الحقيقة معروفة. فالمرض آخذ في الانتشار على نحو سريع، وبدون توفر وسائل الوقاية والعلاج اللازمة من المتوقع أن يهلك المزيد من المرضى المسلمين نتيجة لأصابتهم بالإيدز. وليس الوباء بالأمر الجديد في العالم الإسلامي حيث سجلت الحالات الأولى في أواسط الثمانينات. غير أنه منذ ذلك الوقت قليلة هي الدول التي قامت بحملات وبرامج شاملة للكشف عن المرض ومراقبته، كما أن القليل من الدول قامت بمحاولات جادة لمنع تفشي المرض وتوفير سبل العلاج. ولعل السبب الرئيس والسخيف في نفس الوقت وراء هذا الإحجام عن مواجهة المرض يكمن في ذلك الإصرار السائد في بعض المجتمعات الإسلامية أن أفرادها هم بمنأى عن الجنس قبل الزواج أو الخيانة الزوجية أو الدعارة أو تناول المخدرات عن طريق الإبر، أو أن تلك الممارسات هي من القلة بحيث يبقى خطر انتشار الإيدز محدودا وغير وارد. بالإضافة إلى عدم الإقرار بانتشار المرض في المجتمعات الإسلامية، فإنه في ظل غياب مراقبة الإصابات الموجودة ينتشر المرض بين صفوف المجموعات التي عادة ما تعتبر قليلة التعرض للإيدز. ففي بلدة جزائرية مثلا تدعى تامنرسيت أفادت إحدى العيادات الطبية أن 1% من النساء اللواتي كن يأتين من أجل إجراء فحوصات روتينية تبين أنهن مصابات بالفيروس مما يدل على أن الإيدز أصبح مترسخا في المجتمع لدرجة التمكن من النساء المتزوجات دون وجود أحد عوامل الخطر.
ولحد اليوم لا يوجد سوى دولتين إسلاميتين حققتا بعض النجاح في محاربة الإيدز وهما بنغلادش وإيران. وقد تولت تلك المهمة في بنغلادش المنظمات غير الحكومية التي تولت على عاتقها مسؤولية تحسيس وتوعية الناس بطرق الوقاية وحاولت تمرير خطابها إلى أكبر شريحة ممكنة من الأفراد حتى تكون الإفادة شاملة وفعلية. أما في إيران فقد قاد المعركة ضد الإيدز الرئيس السابق محمد خاتمي وإدارته، حيث وضعت طهران برنامجا وطنيا يهدف إلى توعية الناس حيال المرض وطرق العدوى مع توفير وسائل الوقاية. كما أقامت مراكز لمعالجة الإدمان وتوفير الإبر الجديدة للمدمنين. والأهم من ذلك أن إيران أصدرت قوانين تضمن الحقوق القانونية للمصابين وتكفل لهم المعاملة الجيدة في المستشفيات والحق في المحافظة على وظائفهم.
غير أن تلك الجهود التي بذلتها كل من إيران وبنغلادش في مجال محاربة الإيدز والحد من انتشاره تعتبر متقدمة جدا بالمقارنة مع باقي الدول الإسلامية. فمازالت الإحصاءات عن الأعداد الحقيقية للمصابين غائبة في الكثير من الدول التي تصنف اليوم في قائمة الدول الأكثر تعرضا للمرض مثل أفغانستان والعراق. أما في السعودية وباقي الدول الخليجية فلم تبدأ إلا مؤخرا في الاعتراف بوجود نسبة ضئيلة من المصابين بين مواطنيها. كما أن بقية الدول العربية مازالت بطيئة في تصديها للمرض. لذا فقد حان الوقت لتنظم الدول الإسلامية حملات واسعة وتضع برامج رائدة لمراقبة المرض في مجتمعاتها والحد من انتشاره. وعليها أن تبدأ بالمجموعات الأكثر عرضة للإصابة في أوساط تجارة الجنس والمخدرات، كما يتعين عليها تشجيع الأفراد على إجراء الفحوصات الضرورية لل