لا شك في أن استقالة وزير المالية الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تعتبر نوعا من التحذير الموجه إلى الفلسطينيين المعتدلين من أجل السهر على ضمان السير السلمي للانسحاب الإسرائيلي الجاري حاليا من غزة. فنتانياهو استقال ليس بسبب أزمة تعصف بالاقتصاد الإسرائيلي وتهدد مستقبله السياسي، بل استقال لرغبته الراسخة في أن يصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، وبالتالي تمكنه من صياغة السياسة الإسرائيلية وإعادة ترتيب أوضاع المنطقة حسب رؤيته للسلام. بيد أن نتانياهو يدرك تماما أن طموحه ذاك لن يتبلور على أرض الواقع ما لم ينقلب الانسحاب إلى كارثة حقيقية بالنسبة لإسرائيل. هذا ومن المرجح أن يتحول الانسحاب إلى كارثة فعلا إذا قامت حماس والجهاد الإسلامي وباقي المتشددين بعمليات عنف ضد قوات الدفاع الإسرائيلية والمستوطنين خلال عملية الانسحاب متسببة في الفوضى والاضطراب، ناهيك عما يمكن للمستوطنين المتطرفين أن يتسببوا فيه من مواجهات. وليس خافيا أنه في حالة اندلاع أعمال العنف أثناء الانسحاب، فإن ذلك سينجم عنه استياء كبير لدى الإسرائيليين وسينفرهم من تقديم أية تنازلات أخرى فيما يتعلق بتسليم أراض إضافية في الضفة الغربية. وفي هذه الحالة سيتم القضاء على أي أمل في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، كما سيؤدي إلى استمرار المواجهات الدامية بين إسرائيل وجيرانها، لا سيما الفلسطينيون.
ولأن محمود عباس يدرك احتمال وقوع مثل ذلك السيناريو فإنه ما فتئ يناشد مواطنيه بضمان انسحاب سلس لإسرائيل يشجعها على المزيد من الانسحابات في المستقبل. وبالمثل أبدت مصر حكمة سياسية مشهودة بتحملها لمسؤولية الأمن في معبر فيلادلفيا الذي يفصل غزة عن الحدود المصرية في سيناء. غير أن المشكلة ليست فيما إذا كان محمود عباس والمصريون يرغبون في إنجاح الانسحاب، لأن استعدادهم واضح بهذا الشأن، بل تكمن المشكلة في مدى استعدادهم لتعقب المتشددين إن حاولوا اللجوء إلى العنف.
وبالطبع لن يكف نتانياهو ومؤيدوه من اليمين في إسرائيل والولايات المتحدة عن معارضة الانسحاب واعتباره كارثة في كل الأحوال حتى لو مر بسلام، لأن إسرائيل في نظرهم قدمت تنازلا كبيرا في حين أنها لم تنل أي شيء في المقابل. بالإضافة إلى ذلك يزعم اليمين أن غزة مرشحة في المستقبل لتصبح مرتعا للإرهابيين ودولة لحماس (حماسستان) وهو ما سيعزز من قدرة الراديكاليين على إيقاع المزيد من الضحايا في صفوف الإسرائيليين. لذا فمن المتوقع أن تقوم الحكومة الإسرائيلية تحت رئاسة نتانياهو بوضع خط أحمر أمام الفلسطينيين والقضاء على أي أمل متبق للانسحاب من الضفة الغربية أو أية أراض أخرى. كما ستتخلى حكومة نتانياهو المتوقعة عن خريطة الطريق التي تدعمها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتعزز من دفاعاتها ضد العرب والضغوط الدولية المحتملة.
ولحسن الحظ مازالت استطلاعات الرأي تشير أنه إذا ما مر الانسحاب بسلام فإن أغلب الإسرائيليين سيرفضون حكومة بقيادة نتانياهو. كما أنهم من الأرجح أن يستمروا في مساندتهم لحكومة ائتلافية يقودها شارون وتضم شمعون بيريز وحزب العمل وحزب الوسط الذي يتزعمه تومي لابيد، بالإضافة إلى باقي أعضاء الليكود ممن يؤيدون خطة الانسحاب من غزة. لكن ماذا سيجري لو نحت الأمور منحىً مغايراً؟ إننا مازلنا نتذكر كيف أدت التفجيرات الانتحارية التي ضربت إسرائيل في ربيع 1996 إلى فوز نتانياهو بفارق ضئيل على شمعون بيريز في انتخابات تلك السنة بعد اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين وهو ما أفضى إلى التحول الكبير في الرأي العام الإسرائيلي ناحية اليمين المتشدد. وإذا ما أعاد التاريخ نفسه فإن المنطقة بأسرها ستغرق في أسوأ الاحتمالات التي يمكن تصورها: صعود حكومة يمينية متشددة في إسرائيل وسيطرة جماعة راديكالية على قطاع غزة وإضعاف موقف الحكومات العربية في لبنان وسوريا ومصر والأردن وتهديدها من قبل القوى الإسلامية المتطرفة. وفي ظل هذا الوضع المتذبذب والمفتوح على كافة الاحتمالات يكتسي الانسحاب الإسرائيلي من غزة أهمية بالغة في رسم مستقبل المنطقة وإخماد فتيل الصراع الذي دام بها طويلا.