السيولة المالية في الاقتصاد، أو النقود المتداولة داخل هذا الاقتصاد، بمنزلة الدماء بالنسبة إلى الإنسان، تغذيه وتبث فيه الحيوية والنشاط، ومتى زاد أو انخفض تدفّقها عن المستوى المطلوب تسبّب ذلك في مشكلات عدة. ففي حال ازدياد حجم السيولة عن مستوى محدّد يتطلّبه الوضع الاقتصادي ترتفع الأسعار وتتبعها معدلات التضخّم، الذي تترتب عليه ضغوط اقتصادية لا تستثني أحدا من أفراد المجتمع، أما انخفاض هذه السيولة عن معدلاتها الطبيعية، فيجرّ الاقتصاد إلى موجة من الركود والكساد، وربما إلى "فخ السيولة" الذي يتطلّب الفكاك منه تكاليف باهظة.
فيما تعاني العديد من دول العالم أزمة سيولة تدفعها نحو تخصيص مواردها الشحيحة لسدّ حاجاتها المالية، فإن الوضع معكوس تماما بالنسبة إلى دولة الإمارات، التي تعاني تخمة مالية ووفرة في الموارد تتنافس على خيارات استثمارية محدودة نسبيا. فوفقا لإحصاءات مصرف الإمارات المركزي، ارتفع حجم السيولة المحلية العام الماضي بنحو 11.3%، أي بما يزيد على 15 مليار درهم. وفي الوقت الذي يرى البعض أن زيادة حجم السيولة المحلية ناتج عن ارتفاع أسعار النفط وعوامل مالية ونقدية أخرى، يرى آخرون أن سياسة الإقراض التي تنتهجها البنوك المحلية أسهمت في دفع السيولة إلى مستوياتها الحالية. وخلال النصف الأول من هذا العام بلغ إجمالي الأموال التي استقطبتها اكتتابات الشركات المساهمة العامة أكثر من 1.1 تريليون درهم، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي لدولة الإمارات، تقريبا، وبما يشكّل الكثير من الخطورة على الاقتصاد القومي، خاصة أن نشاط هذه الشركات يتركّز في قطاعي الخدمات والعقارات، وهي تكرار لشركات قائمة أصلا وتعمل في هذه القطاعات، في الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد القومي لتنويع قاعدته الاستثمارية والخروج إلى رحاب أوسع، وتوجيه الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو قطاعات أخرى حيوية للاقتصاد الوطني، خاصة القطاع الصناعي، الذي يعدّ المحرّك الرئيسي للاقتصاد وقطاعاته المختلفة. أما في سوق الأسهم الثانوية فإن السيولة المتداولة تتحرّك في إطار دائرة ضيقة جدا، حيث يشكّل التداول على أسهم ثلاث أو أربع شركات فقط أكثر من نصف حجم التداول الكلّي في السوق، ما يؤدي إلى عدم القدرة على تنويع الاستثمارات، كما أن هناك محدودية الأدوات الاستثمارية التي تتركز في أسهم الشركات العامة دون غيرها.
إن المرحلة المقبلة تتطلّب من وزارة الاقتصاد والتخطيط التركيز على إعادة توجيه رؤوس الأموال المحلية من القطاعات الخدمية إلى القطاعات الإنتاجية، بينما ينبغي على مصرف الإمارات المركزي اتخاذ إجراءات نقدية جريئة لامتصاص فائض السيولة في السوق المحلية. إن تمويل مشروعات القطاع الخاص الصناعية والتقنية، وزيادة تسهيلات الائتمان المصرفي لقطاع التجارة، مجرد أمثلة للتوسّع المصرفي اللازم لتوظيف هذه الطفرة من السيولة المالية في متطلّبات التنمية الاقتصادية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية