اتفق رأْي الرئيسين الجزائري والمصري، واللذين جمعهما القذافي بمدينة سِرْت الليبية، على تأجيل القمة الاستثنائية إلى شهر سبتمبر، أي بعد الانتخابات الرئاسية المصرية مباشرةً. وليس من المعروف بعد، لماذا ما عادت السرعةُ ضروريةً في عقد تلك القمة، كما ليس معروفاً تماماً– ما دام المصريون الداعون قد وافقوا على التأجيل- هل كانت القمة نفسُها مسوَّغةً، وما هي الأسبابُ الحقيقيةُ للاستثناء ثم للتأجيل؟! والذي أراه- ولستُ أملك المعطيات الكاملة- أنّ القمة كانت ضروريةً وما تزال، وأنَّ التأجيل مُضِرٌّ بالمصالح العربية، وبالموقع العربي في المشرق والعالم؛ لكنّ ما لا يُدركُ كُلُّهُ لا يُتركُ جُلُّه.
هناك مشكلتان عاجلتان، لن تكونا قد شارفتا على النهاية طبعاً في منتصف سبتمبر؛ لكنهما من الأهمية بحيث كان يجبُ بحثُهما اليومَ قبل الغد. والمشكلتان معروفتان وهما فلسطين والعراق. ومشكلةُ فلسطين ليست جديدةً أبداً، لكنها تمرُّ اليومَ بمرحلةٍ حاسمةٍ قد تترتبُ عليها نتائج بعيدة المدى لأكثر من عقدٍ مقبل. فقد بدأ الانسحابُ الإسرائيلي من غزة، والذي يستغرق شهرين ونيفاً. والمعروف أنّ شارون فرضه في الداخل الإسرائيلي انطلاقاً من رؤيةٍ تذهب إلى أنّ ذلك يُخرج إسرائيل من القتال على جبهتين: غزة والضفة، ومن أنّ غزة ليست ضروريةً لأمن إسرائيل، ومن أنّ ذلك يحسِّن صورة إسرائيل في العالم بعد الأحداث الدامية في السنوات الماضية، والتي ما وجدت فيها الدولةُ العبرية نصيراً غير الولايات المتحدة. ويرى شارون ومستشاره فايسغلاس أنّ الانسحابَ المنفرد سيزيد من إضعاف الفلسطينيين ويشجّع الانقسام فيما بينهم، بعد أن خيّب أبو مازن آمالهُم وما عادوا يعتبرونه "شريكاً" يمكن إقامةُ سلامٍ معه. والوجه الآخَرُ المتمِّم لهذا المنطق، أنه مع انعدام الشريك فلا حاجة لمتابعة عملية السلام من طريق الدخول في المفاوضات على خريطة الطريق والحلّ النهائي وإقامة الدولة الفلسطينية. وأوضحُ الأدلة على ذلك أنّ حوالي نصف المستوطنين الذين في غزة يُنقلون إلى مستوطناتٍ بالضفة الغربية والقدس، داخل تلافيف السور الواقي! والفلسطينيون الذين لم يصدّقوا الخطِط الشارونيةَ في البداية، عادوا فدخلوا في مفاوضات معقَّدة مع الأميركيين والأوروبيين، ليكون الانسحاب الشاروني بدايةً وليس نهاية، تأتي بعده مفاوضاتُ خريطة الطريق ثم الحلّ النهائي على طريق إقامة الدولة. وخلال العملية كلّها والتي امتدت لأكثر من ستة شهور، ما عاون الفلسطينيين غير المصريين. وقد كانت مبادرةُ المصريين مزدوجة: إغراء الإسرائيليين بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، وإقناع الفلسطينيين بالتوافُق فيما بينهم على إدارة قطاع غزة بعد الانسحاب. وقد اضطُر المصريون في النهاية إلى الدخول طرفاً بالوساطة بين الجانبين، وبشَغْل الجانب المصري من الحدود بقواتهم، ومعاونة السلطة الفلسطينية في تدريب قواتها وانضباطهم، والإسهام في العمليات الأمنية التي تحفظ الهدوء والتماسُك، خلال الانسحاب الإسرائيلي وبعده. بيد أنّ جهود مصر السياسية والدبلوماسية لا تكفي وحدها لتجديد عملية السلام بالدخول في المفاوضات على خريطة الطريق بعد الانسحاب. فلا بد من جهدٍ عربيٍ شامل تُجاه الفلسطينيين، وتُجاه العالم. تُجاه الفلسطينيين بالتعهد بدعم جهود السلطة الفلسطينية في الإعمال والتنمية والاستثمار، ثم لجهة رعاية المصالحة والتوافُق بين أطراف منظمة التحرير من جهة، و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" من جهةٍ ثانية. وتُجاه العالم وبخاصةٍ الأطراف الدولية الأربعة بالإصرار على متابعة المسار الذي وضعوهُ هم، ولا يرغب شارون في متابعته. وبالإصرار على تفكيك المستوطنات والسور الواقي والتوقف عن تهويد القدس. وكانت كوندوليزا رايس قد اقترحت مثلَّثاً للتعاون مكوَّناً من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج من أجل تشجيع إسرائيل علىالسلام(!) ومبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز في قمة بيروت والتي تتحدث عن السلام الشامل في مقابل الانسحاب الشامل تصلح إطاراً غير مُسْبق كما تريد رايس، لا لاحقا كما يريد آخرون؛ بل مُوازٍ ومُساوق خطوةً بخطوة. فهناك الآن قضية الشعب الفلسطيني بملايينه الثمانية في الداخل والخارج. وهناك الأرض السورية المحتلة. وهناك مستقبل العلاقات داخل المنطقة، وبين العرب والعالم؛ وكلُّ تلك الأمور مصيريةٌ بالنسبة لمستقبلنا جميعاً، وإذا فوَّتنا هذه الفرصةَ الآن فقد لا تتكرر في القريب أمام تعاظُم قوة إسرائيل، وصعود الاتجاهات المتشددة بداخلها، وخفة أوزان العرب في المجال العالمي بعد ارتباكات الاحتلال الأميركي للعراق، واجتياحات الحرب الأميركية على الإرهاب.
والعراقُ يحتاج إلى قمةٍ استثنائية وهو المهدَّد بالانقسام والضَياع بعد الاحتلال. ما أمكن لنا أن نفعل شيئاً للعراق من قبل بسبب المعارضة الأميركية. لكنّ الأميركيين يتقبلون الحديثَ الآن بعد مشكلاتهم الكثيرة، وإرادتهم الانسحاب عاجلاً أو آجلاً. لا بد من مبادرةٍ عربيةٍ شاملةٍ، أو بين دول المشرق،