على هامش مؤتمر دولي حول استغلال الأطفال في الحروب عُقد قبل سنوات في كندا، كان لي شرف الالتقاء مع وزير الخارجية السريلانكي "لاكشمان قادر قمر" الذي أُغتيل في الأسبوع الماضي داخل منزله على يد قناص مجهول. في ذلك اللقاء اليتيم فوجىء الوزير بوجود مواطن من الخليج مطلع على شؤون بلاده ويتعاطف مع قضيتها، فقال مازحاً: "كنت اعتقد أنكم لا تكترثون إلا باستقدام الخادمات من سريلانكا"، فكان هذا مدخلاً لحديث مطول حول العمالة الآسيوية في الخليج، وما تعانيه من مظاهر الاستغلال وانتهاك الحقوق. وعندما تشعب النقاش تذكر أن محدثه هو الذي كتب ذات مرة ينتقد باشمئزاز لجوء أحد المتاجر الكبرى في لبنان إلى الترويج لبضائعه عن طريق تثبيت لوحة إعلانية بعرض الشارع تقول "تسوقوا في محلاتنا واربحوا خادمة سريلانكية". ويبدو أن المقال استرعى انتباه الدبلوماسيين السريلانكيين وقت نشره، فترجموه وأرسلوه إلى وزارة خارجية بلادهم.
أما في داخل أروقة المؤتمر، فقد وقف الرجل ليعري بالأرقام والأدلة النهج الذي اخطته جماعة "نمور التاميل" منذ بدء عملياتها العسكرية في عام 1983، ليس فقط في استخدام الأطفال دون سن 17 كوقود في حربها العبثية من أجل إقامة وطن مستقل للأقلية "التاميلية" في الأجزاء الشمالية الغربية من سريلانكا، وإنما أيضا في ابتزاز أسرهم واختطافهم من عائلاتهم وغسل أدمغتهم وإرسالهم في عمليات انتحارية لتتحول أجسادهم الغضة، في غمضة عين، إلى ما يشبه اللحم المفروم. وبطبيعة الحال لم يكن ذلك غريباً على الرجل الذي اعتاد قبل ذلك وبعده على قيادة حملة دبلوماسية في دول الغرب المؤثرة بهدف حظر هذه الجماعة وحصارها مالياً وطرد رموزها ودحض مقولاتها، الأمر الذي أثمر في عام 1997 عن إدراجها في القائمة الأميركية للتنظيمات الإرهابية. وهو لئن أيد ورحب باتفاقية السلام الموقعة بين كولومبو و "نمور التاميل" في عام 2002 برعاية نرويجية، فإنه ظل يكرر أن السلام الدائم في بلاده لن يصمد دون نزع سلاح الانفصاليين أولاً. وآخر ما ذكره في هذا السياق كان قبل مقتله بأسبوعين حينما قال في حفل لإطلاق كتاب عن السيرة الذاتية لرئيسة سريلانكا " تشاندرانيكا كوماراتونغا"، بأن على "نمور التاميل" أن يتشبهوا بالجيش الجمهوري الأيرلندي، ويسلموا أسلحتهم للسلطات الحكومية.
كل هذا وغيره جعل من الرجل في نظر "نمور التاميل" خائناً، ومتواطئاً مع العدو ومستحقاً لهجوم إعلامي شرس، وبالتالي وضع اسمه على رأس قائمة المستهدفين من الحركة، خاصة وأنه بإثنيته "التاميلية" وانحداره من شبه جزيرة "جفنا"، حيث مركز نفوذ الحركة الانفصالية وعاصمة دولتها المنشودة، وتقلده منصبا وزارياً رئيسياً في الحكومة، وامتلاكه لصوت مسموع في دوائر الحزب الحاكم، ودفاعه المحموم عن وحدة البلاد، كان يحرج المزاعم التي اعتاد الانفصاليون على ترديدها لكسب التعاطف مع قضيتهم، وعلى رأسها أن كل "تاميل" سريلانكا راغبون في الانفصال والانعتاق مما تسميه حركة "النمور" تمييزاً في الحقوق والمناصب على يد الأغلبية السنهالية الحاكمة.
ومن هنا سارعت حكومة كولومبو ومعها جهات أخرى إلى توجيه أصابع الاتهام في عملية الاغتيال إلى "نمور التاميل" باعتبار أنها الطرف الذي لطالما هدده والجهة الوحيدة المستفيدة من غيابه، فيما ردت الأخيرة فورا بنفي تورطها واتهام أطراف داخل الأجهزة الحكومية من تلك المستاءة من عملية السلام أو المشحونة برغبات مواصلة القتال بدوافع انتقامية، مشيرة إلى أن الوزير المغدور كان يتمتع بحراسة قوية على مدار الساعة من قبل مائة من عناصر النخبة في الجيش السريلانكي. لكن إلى أن يلقى القبض على الفاعل وتتضح هوية الجهة التي تقف وراءه، ستظل الاتهامات تطارد حركة "النمور" وحدها، خاصة وأن الأخيرة لها تاريخ حافل في التخطيط والتنفيذ المتقنين لمثل هذه الأعمال البشعة. فهي التي اغتالت رئيس الوزراء الهندي الأسبق راجيف غاندي في عام 1991 بعملية انتحارية فردية، وهي التي قتلت رئيس سريلانكا الأسبق "راناسينغا بريماسادا" في عام 1993 بواسطة قنبلة، وهي التي قامت بمحاولة اغتيال الرئيسة الحالية كوماراتونغا في عام 1999 والتي نجت منها الأخيرة بأعجوبة لكنها فقدت إحدى عينيها. ثم أن هناك أمرا آخر هو التقاط رسالة لاسلكية من أحد قادة جهاز الاستخبارات في حركة "النمور" إلى زميل له يقول فيها " لقد تخلصنا من قادر قمر. هل بلغكم الخبر؟" ، ناهيك عن أن إحدى الصحف التابعة للحركة نشرت مقالا في نفس يوم الاغتيال تحت عنوان "رسالة من جفنا إلى العدو في الجنوب" جاء فيه "قادر قمر بوق للحكومة السنهالية ويجب ألا يعيش بعد اليوم".
ولد قادر قمر في مانيباي بإقليم جفنا في أبريل 1932، وتلقى تعليمه ما قبل الجامعي في كلية "ترينتي" في مدينة كاندي قبل أن يلتحق بجامعة سيلان (جامعة كولومبو حاليا) ليدرس القانون ويتخرج بمرتبة الشرف في عام 1953 . وهو لئن دخل سلك المحاماة في بلاده في عام 1955 وفي بريطانيا في عام 1958، فإنه درس في جامعة أ