لماذا، في مجتمعات العالمين العربي والإسلامي، يتفوق رجل الدين على المثقف، والداعية أو خطيب الجماعات الإسلامية على المحاضر والباحث.. في التأثير على الجمهور؟
إن مثل هذه الظاهرة لا تُشاهد في البلدان الأوروبية والدول الآسيوية المتقدمة، وحتى في الولايات المتحدة، حيث توجد جماعات إنجيلية مؤثرة، لا تشكل ثقافة الوعظ والزجر والتشدد الديني، فكر الإنسان الأميركي رجالاً ونساءً، وطلاب الجامعات ذكوراً وإناثاً، بحجم ما نرى من تأثير للخطابة الدينية على الناس في البلدان العربية والإسلامية. فلماذا نحن على هذا الحال؟
الأسباب كثيرة كما لا يخفى.. لعل أبرزها خمسة:
أولاً: الثقافة الدينية، بالفهم السائد اليوم في مجتمعاتنا، تساعد في رواج هذه الاجتهادات والأطروحات التي نراها في كل مجتمعاتنا، بعد أن تم إجهاض كل حركات ومحاولات تجديد هذا الخطاب. وهكذا ظهرت على السطح الديني أقدم الأفكار والأقوال، متناغمة مع مظاهر التخلف الأخرى في حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية.
المؤسسات كلها في صف الخطيب الديني والإسلام السياسي المؤدلج: المنزل، المدرسة، المسجد -الذي تقاسمته الأحزاب الدينية- سيل الكتيبات والمقالات، الإعلام المسموع والمرئي، المخيمات والجمعيات... إلخ.
ثانياً: جمهور العالم العربي والإسلامي، لأسباب كثيرة وفي دول عديدة، يتبنى الرأي السائد والاجتهاد الرائج وبخاصة إن صَدَر عن شيخ دين بارز أو أحد خطباء التيار الديني.
المستمع إلى هذه المواعظ والتوجيهات، حتى إن نالت من حقوق المرأة السياسية أو بدّعت الديمقراطية وكفّرت الليبرالية والعلمانية أو حرّمت الفنون، لا يمتلك الثقافة الدينية القادرة على التحليل والرد، ولا علم لديه بتنوع النصوص الدينية. ومهما قيل لهؤلاء عن إعمال العقل وذم التقليد، فالجميع في نهاية الأمر يخضع لرأي التيار والجماعة والحزب، ويقول الكثير من الشباب "ضع بينك وبين النار شيخاً"، أو كما يقول مثل شعبي "علقها برقبة عالم.. واطلع سالِم"!
إن الكاتب أو الخطيب الديني، يُفصّل في شيء معروف، ويدافع عن وضع موروث قائم، أما المثقف فوضعه صعب، إذ أنه يطرح فكراً جديداً ورؤى غير مألوفة وثقافة غير موروثة. والتجديد مؤلم، والناس تنفر من الألم.. ومما هو مجهول.
ومن المؤسف - فوق هذا - أن الكثير من كتابات المثقفين الناقدة للتيار الديني أو التي تُظهر مخاطر الأصولية الإسلامية، في الكتب والصحف، لا تكون موجهة للقارئ البسيط والإنسان العادي.. بل للنخبة.
إننا بحاجة ماسة إلى المثقف القادر على شرح الفكر العصري والعولمة والديمقراطية وحقوق المرأة والليبرالية وتطور الفلسفة والفكر والفنون وضرورة دخولنا القرن الحادي والعشرين، والكثير من البديهيات. أقول: يخاطب الناس بكل ذلك، بلغة بسيطة مفهومة مشوقة، ولجمهور غير متعمق، هو في الواقع -أي هذا الجمهور- العمود الفقري للكثير من الجماعات الإسلامية. فالكثير ممن تتسع مداركه من هذا الجمهور وتنمو ثقافته يهجر صفوفها، أو ربما ينضم إلى تيار مضاد لها!
فأين هذا الواعظ الليبرالي المنشود!
ثالثاً: الخطاب الديني في معظم الأحيان، وبخاصة إن تحدث للعامة في السياسة والاقتصاد والإصلاح، "خطاب شعبوي"، خطاب يحاول إرضاء الفقراء وتبسيط الحقائق السياسية والاقتصادية وتشويهها أحياناً، كسباً للشعبية وإرضاء للعامة. ومن الوعود المألوفة، وبخاصة في البلدان الفقيرة الكثيفة السكان، الوعد بتوفير العمل لكل عاطل، والزوجة لكل أعزب، والمسكن لكل مشرد، والعلاج لكل مريض. وفي إيران وعدت الثورة الإسلامية الجماهير في زمن الشاه بمجانية الماء والكهرباء. فور استلام السلطة.
وينافس بعض قادة الأحزاب السياسية الخطيب الديني في مجال دغدغة مطالب الشرائح الفقيرة والشعبية، ولكن هل يستطيع المفكر الاقتصادي أن يقدم تحليلات شعبوية للدولة أو لمؤسسته أو للجامعة دون أن يخسر سمعته العلمية؟
إن الخطيب الشعبوي مثلاً يدعو إلى فرض الضرائب العالية على الأثرياء، ويعرف الاقتصادي أن هذه الضرائب تخيف المستثمرين. ويطالب الخطيب نفسه بزيادة الرواتب ولا يحسب حساباً للتضخم، ويطالب بتوظيف الجميع ولا يكترث بتزايد السكان، أو حاجة العمل لكل هذا العدد من الموظفين أو العمال.
والخطيب الشعبوي ينظر إلى الاقتصاد والعملية الإنتاجية والتوظيف نظرة سياسية مصلحية، ويحاول أحياناً إحراج الحكومة والقطاع الخاص بمطالبه. وبالطبع لا ينطلق المثقف الجاد أو المفكر الاقتصادي من هذا المنطلق!
رابعاً: لا توجد منافذ ومؤسسات في مجتمعاتنا تسمح للمثقف بأن يخاطب الناس كالمسجد مثلاً، ولهذا سارعت الجماعات الإسلامية إلى احتكار المساجد أينما سنحت الفرصة. ودخلت في تنافس وصراع واسع من أجل ذلك بين الجماعات الإسلامية نفسها ومع الدولة ووزارات الأوقاف.
وفي مصر اكتشفت السلطات أن أعداداً كبيرة من المساجد خارج نفوذ وزارة الأوقاف، نحو ثلاثين ألف مسجد، وإن كانت تخضع لإشرافها بموجب قانون 57 لسنة 1960. ومنعت السلطات بناء أي مس