تمكن الرئيس جورج بوش حتى الآن من تجنب لقاء السيدة "سيندي شيهان"، وهي أم أميركية ثكلى تطالب بمعرفة "القضية النبيلة" التي ضحى ابنها بحياته من أجلها في العراق. لقد أجبرت السيدة شيهان الرئيس على الاعتراف - للمرة الأولى ربما- بحقيقة وجود قطاع مناوئ للحرب ضمن الشعب الأميركي، وهو ما اتضح بشكل جلي من خلال محاولته تشويه ونزع مصداقية الرسالة التي يوجهها هذا القطاع لحكومته مطالبا إياها بـ"الخروج من العراق". واللحظة الحالية في رأيي، هي اللحظة المناسبة لـ"حركة السلام" في أميركا كي تقوم بتحويل رسالتها من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل.
وكانت الصيحة الجامعة التي أطلقتها تلك الحركة وهي "اخرجوا الآن من العراق" تعبيراً عن رأيها بأن حرب العراق لا تستحق من أميركا البقاء للحظة واحدة إضافية هناك حتى لا تتكبد المزيد من الخسائر في الأرواح، والمزيد من فقدان الكرامة والشرف، والمزيد من الضرائب، وفقدان الحلفاء.
بيد أن المشكلة بالنسبة لهذا الطلب (الانسحاب من العراق) هي أن بساطته هي تحديداً التي تغري الإدارة بتجاهله أو حتى رفضه. في الوقت نفسه، نجد أن الإدارة تركز اهتمامها حاليا على النواحي الشكلية للتقدم في العراق، وهو ما يفسر اهتمامها المبالغ فيه بصياغة دستور عراقي مهما كان مضمونه، وقد تقوم الإدارة الأميركية - من هذا المنظور- بإجراء انسحاب رمزي للقوات من العراق، لمداعبة عواطف "حركة السلام" في أميركا خلال انتخابات الكونغرس الأميركي العام القادم.
وأولئك الذين أثبتوا أنهم على صواب في معارضتهم للحرب منذ البداية، في حاجة لأن يتم سماع رأيهم الآن، مثلهم في ذلك مثل "خبراء" الأمن القومي الذين يحتلون صفحات الرأي في الصحف الأميركية منذ غزو العراق في ربيع 2003.
لقد حان الوقت في رأيي كي يقوم دعاة السلام الآن باقتراح استراتيجيات خاصة بهم للخروج من العراق. ومن دون ذلك فإن كل حزب من الحزبين الرئيسيين في أميركا، سيظل مصمماً على الرأي الذي يقول إن الانسحاب من العراق لا يجب أن يتم قبل تحقيق الاستقرار، وهو الأمر الذي يمكن أن يستغرق سنوات طويلة.
دعاة "حركة السلام" في أميركا نجحوا في الضغط على أعضاء الكونغرس لحثهم على الموافقة على عقد ندوات في منتصف شهر سبتمبر القادم لمناقشة موضوع البحث عن استراتيجيات للخروج من العراق. وثمة نقطة بداية تتعين مناقشتها في دوائر "حركة السلام"، تقوم على اتخاذ قرار بالخروج الآن من العراق، مع وضع الخطوط العريضة للكيفية التي سيتم بها ذلك. والأساس الذي تقوم عليه هذه الخطة هو التحول من النموذج العسكري إلى نموذج حل الصراع، ثم الانتقال بعد ذلك إلى عملية سلام تنتهي بالتوصل إلى تسوية متفاوض عليها، تكون مصحوبة بانسحاب للقوات الأميركية من العراق. والمحاور الثلاثة في هذه الخطة هي:
أولاً: قيام واشنطن، كإجراء من إجراءات بناء الثقة، بالإعلان أنه لا توجد لديها نية للاحتفاظ بقواعد دائمة في العراق. ويجب على أميركا أن تقوم على الفور بإعلان أنها ستقوم بإعادة القوات الأميركية إلى الوطن خلال شهور – وليس سنوات- مع القيام ببادرة أو لفتة تمهيدية بنهاية هذا العام.
ثانياً: أن تقوم واشنطن بالمطالبة بقيام الأمم المتحدة أو هيئة معينة من قبلها بمراقبة عملية فك الاشتباك العسكري، وعمليات التهدئة، وأن تتولى بعد ذلك قيادة جهد سلمي لإعادة إعمار العراق.
ثالثاً: قيام الرئيس بوش بتعيين مبعوث خاص للسلام يكون مستقلا عن سلطة الاحتلال في العراق. ويجب على هذا المبعوث أن يشجع على - بل ويشارك في - إجراء مباحثات للسلام مع الجماعات العراقية المناوئة للاحتلال، بما في ذلك جماعات المتمردين بغرض استكشاف آفاق التسوية السياسية.
ويذكر أن 82 عضواً من أعضاء الجمعية الوطنية العراقية قد قاموا بالتوقيع على رسالة يطالبون فيها بـ"رحيل قوات الاحتلال"، كما يتم في الوقت الحالي إجراء مباحثات بين مندوب عن الحكومة العراقية وبين 11 مجموعة مختلفة من مجموعات التمرد حول الانتقال من مرحلة القوة إلى مرحلة العملية السلمية.
كما يذكر هنا أيضا أن استطلاعات الرأي التي أجريت في وقت مبكر من هذا العام قد أظهرت أن 69 في المئة من الشيعة و75 في المئة من السنة يحبذون أن يتم انسحاب القوات الأميركية في المدى القريب.
بيد أن المشكلة أنه لا إدارة بوش ولا وسائل الإعلام الأميركية تبدي اهتماما بهذه الأصوات. ووفقا لجميع التقارير، فإن الوجود الأميركي في العراق قد أدى إلى اجتذاب المزيد من الجهاديين المتعصبين إلى بلاد الرافدين، وتعزيز وضعهم. علاوة على ذلك فإن مواصلتنا للنهج الذي نتبعه في العراق ستقود حتما إلى اندلاع حرب أهلية، خصوصا على ضوء الدعم والتدريب اللذين نقدمهما للشيعة والأكراد على حساب السُنة.
إن أية تسوية يجب أن تضمن سحباً للقوات الأميركية، والقيام بجهود جديدة في إعادة الإعمار. وعملية السلام الناجحة في رأيي هي تلك التي ستعمل على ضمان تمثيل قوى المعارضة في أي ترتيبات نهائية للحكم، وهي التي ست