نشرت صحيفة هآرتس الدولية في طبعتها الإلكترونية (13 يناير 2005) مقالا بعنوان "الإسرائيليون الأفارقة الإثيوبيون يرفضون المجتمع الإسرائيلي، كما رفضهم" بقلم أيديت أبراهامي، وأومير باراك (ويبدو من اسميهما أنهما من الفلاشاه، أي يهود إثيوبيا). والمقال يذكر القارئ الإسرائيلي بقضية أساسية تمس صميم الأيديولوجيا والشرعية الصهيونية. فقد طرحت الصهيونية تصور أن أعضاء الجماعات اليهودية المنتشرين في أنحاء العالم، على الرغم من اختلاف لغاتهم وعاداتهم وانتماءاتهم، هم في واقع الأمر شعب واحد. ولا تزال الدولة الصهيونية تكرر هذه الادعاءات التي يكذبها الواقع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتقع مشكلة الفلاشاه في صميم هذه القضية. فالسلطات الإسرائيلية تنكر عليهم يهوديتهم، حتى أن يسرائيل يشيعياهو (رئيس سابق للكنيست) نصحهم في جريدة الموند (5 يناير 1985) بأن يحلوا مشكلتهم باعتناق المسيحية (كما جاء في الكتاب المهم للدكتور محمد حافظ يعقوب: الذاكرة والاقتلاع: فالاشاه إثيوبيا، التاريخ- الأسطورة والنص). وقد طلبت الحاخامية من الفلاشاه أن يتهودوا من جديد! وطقوس التهويد تتطلب ختن الرجال وتغطيس النساء في حمام طقوسي (مكفاه) ولا يمكن الاعتراف بهم يهودا إلا بعد خضوعهم لهذه الطقوس "اليهودية" التي قد لا يعرفونها.
وعلى المستوى الإدراكي لم يلق الفلاشاه الترحيب من العلمانيين "الإشكناز البيض" فلسان حالهم كان يقول: "نحن لدينا الكثير من المشاكل حتى من غير هؤلاء السود، فإسرائيل في حاجة إلى أشخاص متعلمين وأصحاب رؤوس أموال ومهاجرين بيض حتى لا يفاقموا مشاكلنا".
إن الدولة الصهيونية التي تدعي أنها دولة يهودية لم تنجح حتى الآن في تعريف من اليهودي، ثم يأتي هؤلاء ليزيدوا الطين بلة فهم أفارقة سود، كما أن عقيدتهم اليهودية مختلفة عن اليهودية الحاخامية، فهم لا يعرفون العبرية ولا التلمود، وأعيادهم مختلفة عن الأعياد اليهودية المعروفة، كما أن بعض شعائرهم وطقوسهم "الدينية" غير معروفة لدى يهود العالم، وتبين مدى تأثرهم ببعض العقائد الإحيائية الإفريقية. وقد قام بعض علماء الأنثروبولوجيا الغربيين بتصنيف الفلاشاه على أنهم طائفة مسيحية دخلت عليها عناصر يهودية. وهم محقون في ذلك فالفلاشاه عندهم قساوسة (لا حاخامات) وعندهم رهبان وراهبات، وهم يتعبدون باللغة الجعيزية لغة الكنيسة القبطية الأثيوبية (أخبرني أحد أصدقائي من عرب فلسطين التي احتلت قبل عام 1967 أنه كان يصلي ففوجئ ببعض الفلاشاه ينضمون إليه ويصلون معه، مما يدل على أن بعض الفلاشاه قد تأثروا بالإسلام).
ومما يفاقم الوضع هجرة من يسمون الفلاشاه موراه، وهؤلاء حسب تصريحات أحد قادة (أو قساوسة) الفلاشاه لا علاقة لهم باليهودية أساسا، وأن بعض من هاجر منهم إلى الدولة الصهيونية إنما هم من المبشرين المسيحيين (6 يناير 2004 نقلا عن موقع إلكتروني Saleh shibel ).
وقد قام التجمع الصهيوني بالتمييز ضد الفلاشاه في المسكن وفي التعليم وفي قوة العمل. وكرد فعل لهذا الوضع قام الشباب الإثيوبي بعزل نفسه (هآرتس 13 يناير 2005) فظهرت ثقافة أفريقية/ أميركية إسرائيلية، يتماهى معها شباب الفلاشاه ويحددون هويتهم الجديدة من خلالها، وليس من خلال ثقافة إسرائيلية (أو يهودية) عامة. ويعترف كثير من الشباب الإسرائيلي من أصل إثيوبي أنهم أدوا الخدمة العسكرية التي كان من المفروض أن تدمجهم في المجتمع الإسرائيلي، ولكن هذا لم يحدث، فهم يشعرون أنهم مختلفون وغير مرغوب فيهم في أماكن تجمع الشباب الإسرائيلي. وهم يذهبون لأنديتهم ومقاهيهم وقاعات الديسكو الخاصة بهم، لا تحديا للمجتمع الإسرائيلي أو كعلامة من علامات التمرد وإنما لأنهم "ممنوعون" من الذهاب للنوادي الإسرائيلية ولا يسمح لهم بأن يندمجوا فيها. وهم يعترفون أن معظم الشباب الإثيوبيين قد أقلعوا عن محاولة الانتماء ويذهبون إلى أماكن "للإثيوبيين فقط".
ودلالات هذا الخبر كثيرة ولابد أن توضع في سياقها الإسرائيلي الصهيوني العريض:
1- من الأساطير الصهيونية الأساسية أن يهود المنفى (أي يهود العالم) "سيعودون" من بلادهم الأصلية ويستوطنوا في فلسطين، وسينبذون هوياتهم القديمة وسيتم صهرهم في أتون الصهر الصهيوني بحيث يصبحون جزءا من كل إسرائيلي صهيوني متجانس. وما حدث هو العكس تماما، فالمجتمع الإسرائيلي مجتمع غير متجانس من البداية، فقد كان هناك الانقسام الديني العلماني، والانقسام الغربي (الإشكنازي) والشرقي (السفاردي). وقد عمقت الهجرة من الاتحاد السوفيتي السابق من عدم التجانس هذا، إذ قذفت هذه الهجرة بكتلة بشرية متمسكة بهويتها الروسية، وأكثر من نصفها غير يهودي، وقد نشر المجلس الصهيوني أنه وصل إسرائيل منذ مطلع عام 2004 وحتى منتصف شهر نوفمبر نحو 900. 18 قادم جديد، وقد يصل العدد مع نهاية العام إلى 22- 23 ألفا (حسب معطيات الوكالة اليهودية). ولكن تقرير المجلس الصهيوني يذهب إلى أن نصف هذا العدد ليسوا يهودا بالفعل، فمن بين 10- 11 ألف قادم جديد من دول الاتحاد ا