يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة طويلة من الأبحاث والدراسات التي قام بها المؤلف في مجال العلاقات الدولية إذ يسعى من خلاله إلى تحليل خطاب الحرب على الإرهاب الذي تطلقه أميركا والتناقضات التي يتسم بها. وهو لأجل ذلك يقوم باستقراء الواقع الذي ينتج الخطاب والإرهاب معا حيث ينفذ إلى العالم الإسلامي مستعينا بمنهجه في تحليل إشكالات العلاقات الدولية دون التخوف من مساءلة المفاهيم السائدة وطرح الأسئلة التي يتردد في طرحها الكثيرون خوفا من أن يتهموا بتعاطفهم مع الإرهاب أو تبريرهم لوسائله. كما يقوم بقراءة الأفكار والأيديولوجية التي ينهل منها المحافظون الجدد وتدفعهم إلى إطلاق الحرب على الإرهاب، بل وتسميتها بالحرب العالمية الرابعة.
ويبدأ المؤلف مشروعه التحليلي لجذور الخطاب حول الإرهاب بالتطرق إلى مقولة التهديد الإسلامي التي أطلقها بعض المفكرين في الغرب، حيث تعتبر الأساس النظري الذي يعتمد عليه المحافظون الجدد في حربهم ضد الراديكالية الإسلامية. ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى استعمال الإسلام دون ربطه بالراديكالية أو أحد تفسيراته المتشددة. وبالرغم من أن مقولة الخطر الإسلامي اتخذت راهنيتها من الحرب على الإرهاب التي تخوضها أميركا، إلا أن ظهورها الحقيقي كان سابقا على أحداث 11 سبتمبر. فقد بدأنا نسمع طيلة عقد التسعينيات في أوساط أكاديمية غربية وفي مراكز البحث الأميركية بصورة أساسية عن الخطر الإسلامي وما يشكله من تهديد للقيم والحضارة الغربية. ويرى المؤلف أن ظهور هذا الخطر المفترض يرجع إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حيث نشأت الرغبة عند بعض المسؤولين الغربيين في استبدال الخطر الشيوعي البائد بخطر آخر، وسرعان ما اقترحوا دول الجنوب كخطر فعلي يحدق بالمصالح الغربية. وبالطبع تزعمت الولايات المتحدة هذا الطرح الذي يرى في المشاكل التي ترزح تحتها الشعوب في دول الجنوب أكبر تهديد للحياة الرغيدة التي ترفل في نعيمها شعوب الشمال. وهكذا بتنا نسمع عن أخطار الهجرة من دول الجنوب والتعامل معها على أساس أمني يفرغها من معانيها الإنسانية.
ويقول المؤلف إنه طيلة الكتاب لم يسع سوى إلا تقفي الجذور العميقة التي تفسر خطاب الحرب على الإرهاب. لذا يحاول أن يحصر الشروط الموضوعية التي أدت في مرحلة معينة إلى انبثاق هذا الخطاب وبروز ملامحه. فقبل أن يتشكل في صورته النهائية التي نعرفه عليها اليوم ويتخذ معناه الحالي مر ذلك الخطاب بمجموعة من المحطات كان أولها الخطر القادم من الجنوب ليتحول بعد ذلك جهة الشرق فيصبح الخطر القادم من العالم الإسلامي، لكنه مازال منتميا إلى الجنوب الفقير والبائس. غير أنه لكي يتعرض خطاب ما للتحول والتبدل في مسيرة تشكله لابد من عوامل تؤثر فيه وتدفع إلى التغيير في مفاهيم الخطاب نفسه. وبالتالي إذا كان المفهوم الراهن لخطاب الحرب على الإرهاب نشأ في بداياته الأولى من مقولة تهديد دول الجنوب ثم تحول بعد ذلك إلى الخطر الإسلامي ليستقر في النهاية على الحرب على الإرهاب، فإن ذلك تم بفضل ظهور مقولة صراع الحضارات التي طبقت شهرتها الآفاق بعدما تكررت في الأوساط الأكاديمية الغربية. وقد جاءت هذه النظرية لتضفي على التهديد الإسلامي بعدا فكريا وتنزع عنه لبوسه العنصري. وبالرغم من أن صومويل هنتينغتون يذهب في كتابه حول صراع الحضارات إلى اتهام الإسلام بالعدوانية واللجوء إلى العنف لحل مشكلاته، إلا أن المؤلف يرد عليه حين يلفت النظر إلى النزاعات الدموية الأخرى في العالم والتي ليس للإسلام علاقة بها، منوهاً إلى أنها خلفت ضحايا في الأرواح تفوق بكثير ما يلصق بالإسلام مثل ما حدث في الحربين العالميتين أو في مجزرة رواندا، أو ما خلفه الاستعمار من ضحايا.
وبعد تعقب المؤلف لتطور خطاب الحرب على الإرهاب في الغرب وتشكله لدى المحافظين الجدد ينتقل إلى العوامل الخارجية التي ساهمت في ظهوره. وفي هذا الصدد يتناول الكاتب قضية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ودوره الفاعل في ترسيخ فكرة صراع الحضارات التي تشكل بدورها المحرك الأساسي للحرب على الإرهاب. وبالرغم من صغر حجم النزاع بالنظر إلى العدد الضئيل نسبيا من الضحايا بالمقارنة مع نزاعات أخرى شهدها العالم في إفريقيا والشيشان، إلا أن ما يميز هذا الصراع هو انخراط الغرب في تفاصيله، وخصوصا الولايات المتحدة. وهذا بالضبط ما يضفي على الصراع حساسية خاصة تتمثل في تواطؤ الغرب مع إسرائيل وتجاهله للمطالب الفلسطينية المشروعة. ويشير المؤلف إلى أن إسرائيل ما كانت لتستمر في احتلالها للأراضي الفلسطينية وانتهاكها للقرارات الدولية لولا الدعم المطلق للولايات المتحدة. وليس غريبا أن يساهم الانحياز السافر لأميركا تجاه إسرائيل في إذكاء مشاعر الغضب لدى الشباب العربي والمسلم وإشعال فتيل الإرهاب وتعزيز خطابه. والمفارقة أن الاتحاد الأوروبي يقف متفرجا فاقدا لأي دور سياسي في حل هذا الصراع بالرغم من أنه الشريك التجاري الأول لإسرائيل. ويرجع السبب ذلك في نظر المؤلف إلى انعدام موقف موحد بين الأوروبي