لعل أحد أكثر المفاهيم التي لقيت رواجا خلال السنوات الماضية، في الصناعة الأكاديمية والنقاش السياسي العربيين، هو مصطلح "المجتمع المدني" الذي أصبح كذلك موضة العمل المجتمعي في أغلب البلدان العربية، لكن مما يأخذه عاطف أبو سيف في كتابه "المجتمع المدني والدولة: قراءة تأصيلية مع إحالة للواقع الفلسطيني" على ذلك الاهتمام المستجد، كونه قلّما مارس النظر إلى المجتمع المدني من زاوية العلاقة بين المجتمع والدولة وفي إطار النشأة الاستثنائية لهذه الأخيرة والأسس التي تستقي "شرعيتها" منها، إذ لا حديث عن مجتمع مدني بعيدا عن دائرة الإقصاء المتبادل مع الدولة! وهكذا تركز الكتاب (في فصوله الخمسة وصفحاته الـ216) على ثلاثة محاور؛ أولها ظهور المفهوم وتطوره في الكتابات الفكرية الغربية، وثانيها أزمات "المجتمع المدني العربي" وسياقاته، أما الثالث والأخير فهو العمل الاجتماعي في فلسطين ودور "المجتمع المدني الفلسطيني".
وفي معرض مناقشته لمفهوم المجتمع المدني في الكتابات السياسية لعدد من فلاسفة الغرب خلال عصري النهضة والأنوار ثم في مطلع القرن العشرين، يبرز المؤلف الدور الذي لعبته نظرية "العقد الاجتماعي" أو "الحق الطبيعي"، والتي كانت أول تأسيس حديث لفكرة المجتمع المدني، في تفنيد المفاهيم الفكرية للنظام الإقطاعي، حيث بشرت بنظام جديد يعيد الاعتبار للفرد ويقلص هيمنة الجماعة وقيمها وتعاليمها المفروضة من قوى خارجية (دينية) أو فوقية (الملك)، وعليه كان الهم الأساسي لفلاسفة الحق الطبيعي أو الأنوار، مثل هوبز ولوك وروسو وفولتير ومونتسيكيو، هو التأكيد على فردانية الفرد وخصوصيته، ومن ثم لم يكن المجتمع بأكثر من تعاقد مجموع هؤلاء الأفراد بوصفهم ذواتا مستقلة وذات إرادة. أما هيغل الذي نقض نظرية العقد الاجتماعي، فرأى أن المجتمع المدني هو ساحة لتصارع مصالح الأفراد، وعليه فهو منظومة غير مستقرة وبحاجة إلى الدولة كي تتدخل وتحل تناقضاته، باعتبار أن الأخيرة فوق ذلك التناقض وأسمى منه. ورأى ماركس أن المجتمع المدني ما هو إلا تعبير آخر أو تمظهر من تمظهرات المجتمع البرجوازي، ولم يفصل بين المجتمع المدني والدولة التي هي أداة البرجوازية الرأسمالية في قمع الطبقات الأخرى. وعلى النقيض من ذلك اعتقد غرامشي أن أساس التنافس في نشوء المجتمع المدني هو الحيز الأيديولوجي، لذلك فإن مؤسسات المجتمع المدني (النقابات والأحزاب والأجهزة الإعلامية والتربوية) هي الأساس الأخلاقي للدولة.
وحول السياق التاريخي لنشوء المجتمع المدني في الغرب، يوضح المؤلف أنه ارتبط بتراجع المجتمع الإقطاعي وظهور البرجوازية والصراع المرير حول مجتمع الحقوق الفردية والانتصار لمقدرة البشر على التعاقد لضمان هذه الحقوق. أما المجتمع المدني العربي بمعناه المعاصر، فيرى أنه "لم يولد بعد"، أو هو في حالات محدودة ولد ومات في مهده أو آل إلى حالة موت سريري، وخلال أزيد من نصف قرن على الاستقلال، وهي فترة كانت كافية لكي يتشكل المجتمع المدني ويفعل نشاطه في معظم البلدان العربية، لم يكن لذلك المجتمع إلا دور هامشي وبالتالي كان مجتمعا كسيحا ضائعا بين مطرقة الدولة وسندان اللامبالاة من قبل النخبة والفرد. أما عن الجانب الثاني من الحقيقة والمتعلق بالدولة ذاتها، فيرى المؤلف العربي أنه إذا كان عدم انتعاش المجتمع المدني في الوطن العربي يعود إلى هيمنة الدولة وتسلطها وغياب روح التسامح السياسي لدى النخبة، فلأن الدولة العربية أيضا مأزومة، سواء بسبب تمزق هويتها أو بسبب التشوه في العلاقة بينها وبين "مواطنيها"، وبالتالي كان المجتمع المدني الذي ارتبط بظهورها مأزوما أيضا، ومن هنا ربما كان فشل المجتمع المدني العربي في تحقيق "مهمته الأسمى" ألا وهي إنجاز التحول الديمقراطي.
أما بخصوص الحالة الفلسطينية، وبما هي عليه من شتات وتوزع، فيعتقد المؤلف أنه يمكن الحديث عن مجتمع مدني فلسطيني فقط في غزة والضفة الغربية خلال الفترة التي تلت قدوم السلطة الفلسطينية عقب التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993، نافيا صفة "المجتمع المدني" عن واقع المنظمات والجمعيات والنقابات التي كانت تنشط خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع، ومرد ذلك النفي هو "غياب الدولة الوطنية التي يتجادل ويختلف ويتكامل ويتنافس معها المجتمع المدني لصالح الأفراد بوصفهم مواطنين في هذه الدولة". ولتحديد خصوصية الواقع الفلسطيني، ينظر المؤلف إلى التنظيمات المجتمعية والأهلية التي تشكلت في فلسطين عقب الانتداب البريطاني عليها عام 1917 ثم عقب النكبة في عام 1948، ثم منذ منتصف الستينيات إلى تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994. وفي مرحلة ما بعد أسلو يلاحظ وجود حالة "افتتان فلسطيني" بالمجتمع المدني، ربما كان أهم أسبابه أن مفهوم المجتمع المدني ذاته أصبح موضة بين المثقفين العرب، إلى جانب الاهتمام النخبوي والجماهيري الفلسطيني بالديمقراطية، ثم التاريخ الايجابي للعمل الأهلي خلال فترة الاحتلال، علاوة على أن الاهتمام بالدولة