عند قدوم عيد ميلادي كل عام، وأحبائي يقفون بجانبي ليشاركوني مراسيم الاحتفال بمرور عام من حياتي، يتسلل إلى أعماقي إحساس حزين وأنا ألوّح له بالوداع، كوني لن أراه ثانية، فأقف صامتة أمام الشمعة المتراقصة أمامي، وأغمض عيني، وأدير في خاطري شريط ذكريات الماضي الممزوج بالحاضر، لأدرك مدى الرحلة التي قطعتها، وأسأل نفسي ماذا حققت من إنجازات في العام المنصرم، وماذا لم يزل في جعبتي لأحققه في الأعوام المقبلة، وهل في العمر متسع لهذا الكم من الأمنيات!!
كم هو إحساس رائع أن تقف في منتصف الطريق، لتجد طموحاتك التي هدهدتها في صغرك، قد توقفت عن الحبو، وشبّت عن الطوق، وأصبحت تمشي بثبات على قدميها، أن تزكم أنفك رائحة نجاحاتك، حتّى لو كانت متواضعة.
أتذكّر طفولتي البعيدة، عندما كانت أحلامي تداعب خيالاتي، وقتها كنتُ أخطُّ على كل كتاب أشتريه، اسمي مرفقا بلقب الكاتبة. كنتُ أتجوّل بين المكتبات، واقرأ عناوين الكتب المرصوصة على الرفوف، وأتنهّد قائلة.. هل سيجيء يوم أرى كتبي موضوعة هنا، ويأتي الناس ليسألوا عنها، وعن آخر كتاب أصدرته!!
لم أكن أدري وقتها أن أحلامنا لا تهبط من فضاءات خيالاتنا إلى أرض واقعنا إلا بالمثابرة والإصرار، وأنني اخترت طريق الأدب المحفوف بالمخاطر والصعوبات. كنتُ أبعث كهاوية خواطري الشعرية إلى العديد من المجلات العربية، وأهرع فرحة إلى أبي عندما تقع عيناي على نص منشور في أيٍ منها.
إحساس رائع أن تبحر بأمانيك في يم الحياة، ولا تملك سوى مجدافي عزيمتك وإصرارك، يملؤك شعور باحترام نفسك، وتقدير ذاتك، لأنك استطعت من خلال تشبثك بأمانيك، وتحديك للصعاب من أجلها، أن تصل بها إلى شاطئ النجاح، الذي يجعل لك قيمة داخل مجتمعك.
احتفلت جنوب أفريقيا مؤخرا بعيد ميلاد الزعيم نيلسون مانديلا الذي بلغ منذ أسابيع قليلة السابعة والثمانين، بإضاءة شعلة في زنزانته بالسجن الذي أمضى فيه عشرين عاما، نتيجة مناهضته للحكم العنصري في بلاده. وعلى الرغم من شيخوخته وتدهور صحته، إلا أنه ما زال مستمرا في عطائه، متفرغا للأعمال الإنسانية.
بالتأكيد يعلم هذا المناضل الشريف أن كفاحه لم يذهب سدى، وأن تطلعاته لتحرير بلاده من سطوة الرجل الأبيض، ومن أجل القضاء على العنصرية البغيضة، لم تذرها الرياح، وها هو يرى بأم عينيه أحلامه البعيدة التي بناها يوما ما على رمال خيالاته، قد تحولت إلى أبنية شامخة، لا تملك قوى أرضيّة زحزحتها من مكانها.
جميل أن يسوق المرء حلمه من أرض الخيال إلى أرض الواقع، لكن كم يكون أجمل لو غلّف حلمه بالسمو والنبل، من أجل دحر الظلم، وإرساء العدل، وتثبيت حقوق الفرد داخل مجتمعه.
الأحلام تجعل لحياتنا طعما، مذاقا، لونا، رائحة، ولولاها لأصبحت أيامنا ماسخة وعبثا في عبث، وهذا ما أيقنته مبكرا، وجعلني أمسك بخيوط أحلامي بقوة، وأعقدها بين أصابعي، وهو ما دفعني لاحقا إلى أن أحارب بضراوة، وأواجه كل الأعاصير التي تحاول سلب أحلامي، وجز آمالي، حتّى نجحت في نثرها بتربتي، وتحويلها إلى واحة خضراء، تُضفي بظلالها على الرائح والغادي.
علموا أبناءكم كيف ينسجون أحلامهم، وقيمتها المعنوية في حياتهم، دربوهم كيف يتمسكون بها، مهما واجهوا من أهوال، وتعرضوا لمصاعب، افتحوا عيونهم على جماليات الحياة، ودعوهم يتسلقون صخور الكفاح الوعرة، ليستطعموا لذة الوصول لمرادهم.