مع بدء عملية "الانسحاب" الإسرائيلي من قطاع غزة وفق خطة أرئيل شارون أحادية الجانب، تتركز أنظار العالم الآن على هذا "الانسحاب" ونتائجه وآثاره على عملية السلام برمتها. غير أن مصير عملية السلام لن يتقرر في غزة بل في القدس. فغزة، بسبب الكثافة السكانية العالية فيها، وافتقارها إلى المياه والمواد الخام، لم تكن في يوم من الأيام موضع طمع لأي حكومة إسرائيلية منذ احتلالها في عام 1967، وكان الانسحاب منها مسألة وقت ليس إلا. ألم يقل إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إنه يتمنى أن يصحو ويجد قطاع غزة وقد غرق في البحر؟!! إن العقبة الرئيسية وجوهر مشكلة السلام ستبقى القدس بلا منازع. وفي الفترة الأخيرة، قامت إسرائيل باتخاذ عدة خطوات وإجراءات داخل المدينة وحولها لتشديد قبضتها بعد ضم أراض جديدة إلى داخل حدود بلديتها. ومن ضمن هذه الإجراءات توسيع الحدود البلدية لمدينة القدس وضم أراض جديدة إليها، وبناء مستعمرات/ "مستوطنات" إضافية حولها وتوسيع القائم منها. وقد أدت هذه الإجراءات جميعها إلى خلق مدينة أكبر بعدة مرات من مساحة المدينة الأصلية التي احتلتها إسرائيل في عام 1967. وتهدف "المستوطنات" التي بنتها إسرائيل خارج الحدود البلدية الأصلية للمدينة إلى تطويق المدينة وعزل الجهة الشرقية منها عن باقي الضفة الغربية، لخلق واقع جديد يمنع التواصل الجغرافي ما بين "الضفة" والقدس الشرقية، بحيث تستحيل إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة وهي أهم متطلبات رؤية الرئيس الأميركي جورج بوش للسلام في الشرق الأوسط. ومن ضمن التدابير التي اتخذتها إسرائيل لعزل القدس الشرقية عن بقية الضفة هو إنشاء الطريق الالتفافي الذي يربط مستعمرة "معاليه أدوميم" بإسرائيل والذي يهدد بتجزئة "الضفة" ويمنع وجود دولة متواصلة جغرافياً.
حقاً، لقد كان شارون في منتهى الوضوح عندما قال إن الانسحاب من غزة سيقابله ضم أراض جديدة لإسرائيل في القدس وحولها وكذلك في الضفة. وما يقوم به شارون حاليا، بدأب مسعور، يصب في هذا الاتجاه. وبناء "المستوطنات" في "الضفة" لم يكن حكرا على اليمين الإسرائيلي فقط ولكنه كان سياسة متفقا عليها، ولو ضمنيا، بين الحزبين الرئيسيين في إسرائيل: الليكود، وحزب العمل. إلا أن ما يقوم به شارون حاليا هو اتباع سياسة أكثر تركيزا ومنهجية هدفها الأخير الخنق التدريجي للقدس الشرقية عن طريق إحاطتها بسور من "المستوطنات" الإسرائيلية الكبيرة وزرع بؤر استعمارية صهيونية بداخلها بهدف تجزئتها وتقسيمها. ومن المؤكد أن قرار تعديل مسار جدار الفصل العنصري الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية مؤخرا سيسهم عند الانتهاء منه في ظهور مدينة "القدس الكبرى" التي ستضم بالإضافة إلى القدس الغربية، والقدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، جميع المستعمرات التي قامت إسرائيل ببنائها إلى الشمال والشرق والجنوب منها. وهذه الكتل "الاستيطانية" الكبرى تلتهم حاليا أكثر من (4%) من مجمل مساحة "الضفة". ويبلغ طول مسار حائط الفصل العنصري عند منطقة القدس حوالى 130 كلم منها أربعة كيلومترات فقط تتبع مسار "الخط الأخضر" الذي كان يفصل بين إسرائيل والضفة قبل حرب 1967 واثنا عشر كيلومترا قريبة من ذلك "الخط". وهناك مئة وكيلومتران من طول المسار تتوغل مسافة عشرة كيلومترات في عمق الضفة مما يشكل حدودا سياسية جديدة لإسرائيل تضم حوالى مائة ألف دونم (39 ميلا مربعا) من الأراضي وحوالى (55 ألف) مستعمر/ "مستوطن" إسرائيلي. وبالإضافة إلى ذلك، سيعزل المسار الجديد حوالي (45 ألف) فلسطيني هم حاليا من سكان القدس الشرقية. وفوق هذا وذاك، يأمل شارون في تنفيذ خطة قديمة تقضي ببناء "مستوطنات" جديدة في المنطقة الواقعة بين القدس ومستعمرة معاليه أدوميم إلى الشرق وبهذا يخلق تواصلا جغرافيا بين "المستوطنات" الإسرائيلية داخل الضفة في منطقة تبلغ مساحتها خمسة عشر ضعف مساحة "مستوطنة" معاليه أدوميم. وكما أعلن شارون قبل عدة أيام فقط، فإنه "مصمم على عدم التفاوض" على القدس أو "مستوطنات" الضفة أو عودة اللاجئين، وهو "مصمم" أيضا على الاحتفاظ بالسيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس والمنطقة المحيطة بها والممتدة من رام الله شمالا إلى بيت لحم جنوباً، وهي المنطقة التي تشمل، بالإضافة إلى معاليه أدوميم، مستعمرات نافيه يعقوب، بزجات زئيف، ورامات أشكول.
هذا التوجه يتعارض بشكل صارخ مع الالتزامات الإسرائيلية بموجب خريطة الطريق، بل ويضعف التوجهات السلمية لدى الجانب الفلسطيني ويضعف سلطة الرئيس محمود عباس الداخلية والتي تراهن على تحقيق تقدم حقيقي في عملية السلام. كما أن هذا التوجه يزرع بذور التطرف والراديكالية لدى الكثير من التنظيمات الفلسطينية المسلحة، علاوة على تهديد اتفاق التهدئة الهش الذي توصل إليه الرئيس عباس بصعوبة مع بقية التنظيمات الفلسطينية المسلحة. وإذا ما قدر لاتفاق التهدئة أن يسقط فإنه سيسقط بسبب القدس والأطماع الإسرائيلية فيها وفي الضفة أيضا. ومع أن العالم