في أجهزتنا الإعلامية وكذلك في الشارع العربي على امتداده، لا يمكن تجنب الحديث عن أميركا، الشيء نفسه في مقاهي نيويورك التي تعج بالجمهور في هذا الصيف الحار، وكذلك في صالونات واشنطن التي تبدأ الآن في استقبال العائدين من الإجازات. إذا كان الحديث عن أميركا هو العامل المشترك بين الشارعين العربي والأميركي، فإن هناك اختلافاً بيّناً. في الشارع السياسي العربي نتعرض للحضور الأميركي عن طريق ما يحدث في العراق أو فلسطين أو حتى أفغانستان، فلا يمكننا تجنّب ما يحدث في هذه الأمصار العربية- الإسلامية، ثم إن هذه المآسي تُكوّن العامل المشترك الأساسي الذي يربط بين العرب المنتشرين في أقطارهم أو الموجودين في الغربة. ولكن هل يكفي هذا لفهم أميركا وسياستها في العراق أو فلسطين أو أفغانستان؟ وللإجابة على هذا التساؤل، لندلف إلى مقاهي نيويورك وصالونات واشنطن.
في هذه المقاهي والصالونات، العراق وفلسطين وأفغانستان حاضرة بالطبع، وبمساحات كبيرة قد تفوق في بعض الأحيان مساحتها في الشارع العربي الذي قد تشده "محليات" أخرى. بينما العراق وفلسطين وأفغانستان هي من الأخبار المحلية هنا كما نرى في تظاهرات بعض الأمهات أمام مقر العطلة الصيفية للرئيس بوش، واللواتي يطالبن بلقائه للإجابة على سؤال أساسي لهن: لماذا يموت ابني في العراق أو أفغانستان؟ ولكن الفرق بين الشارع السياسي العربي وفضائياته من ناحية، ومقاهي وصالونات أميركا من ناحية أخرى أعمق من ذلك بكثير، لأنه يتعلق بما يشكّل ويحدّد ما يحدث في العراق أو غيره، أو السياسة الخارجية الأميركية عامة، ويطلق عليه الأميركيون "الحرب الثقافية" أو "صراع القيم" الذي يمزق الشارع الأميركي حالياً، وسيكون من نصيب المنتصر في هذه المواجهة أو الحرب تحديد مصير أميركا -وأيضاً مصير العالم على أساس أنها القوة الأعظم- لسنوات طويلة. بمعنى آخر أن ما يحدث في العراق أو فلسطين، ما هو إلا الجزء القليل الظاهر من جبل الثلج العائم، والذي يظهر أو يختفي، ويميل يساراً أو يميناً طبقاً لحركة الجزء الأكبر المختفي تحت الماء، والذي هو بحق القاعدة الأساس. "الحرب الثقافية" إذاً في الشارع الأميركي هي حول منْ يستطيع السيطرة على هذه (القاعدة- الأساس) لضبط التوجه "القيمي" الأميركي.
وبالرغم من أن اصطلاح "الحرب الثقافية" في الداخل الأميركي أصبح شائعاً الآن، إلا أن تعريفه يرجع إلى سنة 1991 عندما نشر "جيمس هنتر" كتابه "الحروب الثقافية: الصراع من أجل تعريف الهوية الأميركية"، الذي يتلخص في أن هناك استقطاباً في المجتمع الأميركي حول عدة قيم أساسية مثل: الحق في الإجهاض، ضبط ترخيص الأسلحة النارية، والعلاقة بين الدولة والكنيسة، والحق في الخصوصية. وتزامن ظهور كتاب "هنتر" والاهتمام بصراع القيم هذا مع انتهاء الحرب الباردة واختفاء الخطر الشيوعي الذي كان يوحّد بين الأميركيين.
بعد ظهور هذا الكتاب بعام، كانت هناك انتخابات الرئاسة الأميركية، التي حاول فيها بوش الأب الحصول على ولاية ثانية. ولكن جاءت الثورة من داخل حزبه "الجمهوري" عن طريق منافسه المحافظ "باتريك بوكنن". وأعتقد أن ما قاله "بوكنن" يوضح بجلاء هذه "الحرب الثقافية" داخل الحزب "الجمهوري" التي ستنتقل مع جورج بوش الابن إلى الشارع الأميركي بأسره. قال "بوكنن": "هناك حرب قيم ومبادئ دينية تجري حالياً في بلدنا للسيطرة على روح أميركا ونبض شارعها. إنها حرب ثقافية تتماثل وتتساوى في أهميتها مع الحرب الباردة، لأنها تحدد هويتنا". بالرغم من أن الحزب "الجمهوري" لم ينجح في هذه الانتخابات في 1992، إلا أن بوش الابن فهم هذه الرسالة وأكد كثيراً من هذه القيم الدينية في حملاته الانتخابية، الأولى والثانية، وحتى في خطبه السياسية المهمة مثل "حالة الاتحاد".
نرى إذاً أن هذه "الحرب الثقافية" أو "صراع القيم" ليست شأناً داخلياً أميركياً كما تبدو، ولكنها تمتد إلى كل نواحي الحياة بما فيها بالطبع السياسة الخارجية واختيار الحلفاء، داخلياً ودولياً. من هنا مثلاً فإن ما يميز العلاقات الأميركية- الإسرائيلية حالياً أنها تتعدى العلاقة بين دولتين لتعكس الرابطة العقائدية بين "المبشرين- الإنجيليين" في واشنطن وأعضاء "الليكود" في إسرائيل في مواجهتهم لعدو مشترك: أي الليبراليين أو التقدميين.
Korany b@yahoo.com