المواجهة الدبلوماسية الحادة بين أميركا وإيران بخصوص النشاط النووي الإيراني، أعادت الحديث وبقوة عن مخاطر احتمالات دخول المنطقة إلى سباق التسلح النووي الذي قد يصعب التحكم فيه، خاصة بعد أن أصبح سلاح إسرائيل النووي يهدد أمن المنطقة بأكملها، التي تعاني أصلاً من تراكمات سياسية حساسة بسبب أهميتها الاستراتيجية والجغرافية والاقتصادية من منظور السياسة العالمية. إن تحول إيران إلى قوة نووية سيؤدي إلى مضاعفة اختلال التوازن الأمني في المنطقة، وسيوجد جواً من التهديد النووي الخطير ضد الأمن القومي العربي والدول العربية، التي تُمارس عليها ضغوط أميركية غربية شديدة حتى لا تدخل في عضوية النادي النووي لأسباب كلها تصب في مصلحة إسرائيل. والعالم اليهودي الأميركي "سرمون فابر" كان واضحاً في هذا الأمر، عندما تكلم في ندوة عقدت في جامعة "برنستون" الأميركية عام 1979 محذراً الغرب من الجهود التي تُبذل في بعض الدول العربية لإقامة منشآت نووية تستهدف، في رأيه، الحصول على القنبلة النووية لتدمير إسرائيل، وقدم هو وزملاؤه مذكرة إلى الحكومة الأميركية لسد الطريق أمام أي اتجاه عربي نحو امتلاك القنبلة النووية، وتم توظيف هذا الأمر بصورة واضحة في الضغوط السياسية الأميركية التي تمارس بشدة على الدول العربية حتى لا تدخل النادي النووي.
أميركا تمارس حالة من ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، حيث إنها في الوقت الذي تمارس فيه ضغوطها الشديدة على كوريا الشمالية وإيران والدول التي تشك في أنها ستدخل النادي النووي، تسكت تماماً عن 200 رأس نووي في إسرائيل قابلة لإبادة المنطقة بأكلمها. وهذا التناقض الصارخ يبدو واضحاً أيضاً في مسألة الاحتكار النووي الذي تمارسه أميركا مع مجموعة الدول النووية ضد الدول التي لا تملك السلاح النووي، حيث أعطت أميركا وهذه الدول الحق لنفسها أن تحتكر هذا السلاح لنفسها وتواصل إنتاجه وتطويره، في الوقت الذي تكثف فيه ضغوطها لمنعه من الوصول إلى مجموعة الدول غير القادرة على توفيره وتوفير أسباب الردع ضد أخطاره، وحماية نفسها من التهديد والابتزاز اللذين تتعرض لهما من الدول النووية. وهذه في الحقيقة معادلة خطيرة جداً لها انعكاسات مؤثرة على استراتيجية التوازن الأمني العالمي.
روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي السابق ورئيس البنك الدولي السابق، كتب مقالاً مهماً في مجلة Foreign Policy عدد مايو/ يونيو 2005 بعنوان "اقتربت الساعة" شخص من خلاله السياسة الأميركية النووية ذات المعايير المزدوجة، وقال بصراحة إن هذه السياسة يجب أن تتوقف عن استخدام أسلوب الحرب الباردة في الاعتماد على الأسلحة النووية كأداة في السياسة الخارجية، واصفاً هذه السياسة بأنها غير أخلاقية ولا شرعية وخطرة بشكل مرعب، مبيناً أن أميركا وحدها تملك 4500 رأس نووي هجومي استراتيجي.
يقول روبرت مكنمارا الذي عمل في مسائل تتعلق باستراتيجية الولايات المتحدة والحلف الأطلسي النووية وخططهما الحربية لما يفوق 40 عاماً، إنه لم يرَ أبداً خلال هذه الفترة أية قصاصة من الورق تضع إطاراً لخطة الولايات المتحدة والحلف الأطلسي للبدء باستخدام الأسلحة النووية فيها أية منفعة للولايات المتحدة أو الحلف، وإن وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي كانوا يتفقون معه وخاصة أنه يرى أن إطلاق الأسلحة ضد خصم يملك أسلحة نووية سيكون انتحاراً، وضد عدو غير نووي سيكون مثيراً للاشمئزاز أخلاقياً. ويرى أيضاً أن برنامج بوش النووي ورفضه المصادقة على معاهدة الحظر الشامل على التجارب النووية، سيُنظر إليه على أنه عمل يُماثل انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، إنه كمن يقول للأمم غير النووية: نحن الذين نملك أكبر قوة عسكرية تقليدية في العالم نتطلب أسلحة نووية بشكل أبدي، لكن أنتم الذين تواجهون خصوماً مسلحين تسليحاً جيداً لن نسمح لكم أبداً بامتلاك ولا سلاح نووي واحد.
ويحذر "مكنمارا" واشنطن من مخاطر الاستمرار في هذه السياسة قائلاً: إذا واصلت الولايات المتحدة التمسك بموقفها النووي الحالي فإن انتشاراً كبيراً للأسلحة النووية سيأتي بشكل شبه أكيد مع مرور الزمن، وهذا ما سيُعرض الأمن العالمي لأخطار كبيرة وخطيرة.