إن الجلسة القادمة للجمعية العامة، المقرر عقدها في سبتمبر المقبل، قد لا تكون هي العنصر الحاسم في تقرير مصير الأمم المتحدة، إلا أنه مما لا شك فيه أنها ستكون ذات أهمية قصوى في تحديد ما إذا كانت المنظمة الأممية سوف تكون قادرة على الوفاء بتوقعات مؤسسيها، كقوة ذات أهمية للسلام والديمقراطية، أم أنها ستتهاوى وتتحول إلى قوة غير ذات أهمية. الاحتمال الأخير في حالة تحققه سيكون خيبة أمل كبرى للأميركيين، الذين تظهر استطلاعات الرأي أن غالبيتهم يؤيدون الأمم المتحدة.
والشيء الذي يبعث على التفاؤل، أن هناك أنباء تتواتر عن إجراء تغيير إيجابي في المنظمة هذا الخريف، وهذا التفاؤل مبعثه الآتي: أن المطالبة بهذا التغيير قد صدرت عن السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان شخصياً، والذي قام بتعيين لجنة دولية لتقديم توصياتها في هذا الشأن. وقد قامت اللجنة بتقديم تقاريرها التي كشفت فيها عن مواضع الخلل في العديد من الوكالات والعمليات التي تقوم بها المنظمة الأممية، كما قامت بتقديم توصيات شاملة منها على سبيل المثال تلك الخاصة بتوسيع مجلس الأمن. وقد قام عنان بتبني توصيات اللجنة، بل إنه تجاوزها في مجالات معينة وبالذات مجال حقوق الإنسان. ففي هذا السياق حث عنان على التخلص من لجنة حقوق الإنسان التي وجهت لها انتقادات كثيرة منها أنها ودون تفسير مقنع تضم في عضويتها دولاً مثل كوبا وليبيا والسودان، وهي دول معروف عنها أنها لا تُظهر سوى اهتمام ضئيل للغاية بحقوق الإنسان لمواطنيها. وقد اقترح عنان استبدال هذه اللجنة بكيان جديد، يكون مكرسا حقا لتحسين وضع حقوق الإنسان في العالم.
العامل الثاني الذي يبعث على التفاؤل بإمكانية إجراء تغييرات ذات معنى هو تلك الكشوفات المثيرة الواردة في تقرير لجنة "فولكر" الأسبوع الماضي حول سوء إدارة برنامج "النفط مقابل الغذاء" في العراق ومنها: أن مدير البرنامج "بينون سيفان" قد قام بالفعل بتلقي عمولات عن مبيعات النفط العراقي، وأن موظفاً آخر من موظفي الأمم المتحدة هو "أليكسندر ياكوفليف" قد تلقى رشاوى مقابل تقديمه معلومات سرية خاصة بمناقصات هذا البرنامج. وهذه المخالفات في البرنامج وغيرها، على النحو الوارد في التقرير، تُلطخ صورة الأمم المتحدة، وتزيد بالتالي من قوة الضغوط المطالبة بالتغيير.
أما العامل الثالث الباعث على التفاؤل بإمكانية التغيير والذي يحمل مغزى خاصاً في الأجواء الحالية، فهو دعم إدارة بوش لتلك التغيرات، إذا ما تم إجراؤها فعلا. فوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، التي تقبض الآن بقوة على عجلة الدبلوماسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، تؤكد بشكل واضح أن واشنطن تريد أن ترى المنظمة الأممية وقد أصبحت أكثر فعالية، ولا تريد أن تراها وقد أوشكت على الانهيار.
وعلى الرغم من أن أميركا شعرت بالمرارة بسبب الإخفاق السابق للأمم المتحدة في وضع سلسلة من القرارات الصادرة بحق صدام حسين موضع التنفيذ العملي، فإن تأييدها للمنظمة كان واضحاً في الآونة الأخيرة، خصوصا في معارضتها لمشروع قرار في الكونجرس كان يهدف لتقليص قيمة المساهمات المالية الأميركية في الأمم المتحدة.
وفي وقت سابق من هذا العام قام ستة وزراء خارجية يمثلون أميركا وبريطانيا وإيطاليا وكندا وأسبانيا وتايلاند، بإصدار نداء لدعم العديد من الإصلاحات التي تتم مناقشتها حاليا في الأمم المتحدة. فإلى جانب المطالبة باستبدال لجنة حقوق الإنسان والذي يبدو أمرا مرجح الحدوث الآن، قام وزراء خارجية تلك الدول بالحث على اتخاذ إجراءات جديدة لدعم انتشار الديمقراطية في العالم، وهي الدعوة التي تصادف أنها أصبحت تشكل معلما بارزاً من معالم السياسة الخارجية الأميركية في فترة الولاية الثانية للرئيس بوش.
فضلا عن ذلك دعت تلك الدول أيضا إلى استحداث عقيدة جديدة يطلق عليها اسم "مسؤولية الحماية" وهي عقيدة سوف تكون بمثابة الحجة التي تستند إليها الأمم المتحدة للتدخل في الدول التي تواجه شعوبها أخطارا جسيمة، لأن حكوماتها تفتقر إلى الإرادة والقدرة على حمايتها. وقد ورد بالنص في البيان الصادر عن وزراء خارجية الدول المذكورة آنفا حول هذه النقطة تحديدا "أن السيادة لا يمكن أن تكون غطاء للفظائع الجماعية".
أما الموضوع الذي يتسم بصبغة سياسية واضحة، وهو توسيع مجلس الأمن، فلم يتم التوصل إلى قرار مؤكد بشأنه حتى هذه اللحظة. فعلى الرغم من أنه قد أصبح معروفاً الآن أن اليابان وألمانيا والهند والبرازيل مرشحة كلها للانضمام للمجلس، فإن الأمر المرجح هو أن الولايات المتحدة ستقوم بدعم القرار الخاص بمنح مقعد دائم لليابان، ولكن ليس لألمانيا.
ويذكر في هذا السياق أن هناك تقريراً صدر عن الحزبين الرئيسيين في أميركا في شهر يونيو بشأن الأمم المتحدة، ورد فيه ما يلي:"أنه ما لم تقم الأمم المتحدة بإجراء تغييرات جذرية - وإلى أن تحدث تلك التغييرات- فإن المنظمة ستظل مجرد أداة غير موثوق بها سواء بالنسبة للحكومات الأعضاء فيها، أم بالنسبة ل