تقدّم الهجمات الإرهابية التي وقعت في اسطنبول يوم الخميس الماضي، وتلك الهجمات التي وقعت مؤخراً في بلدان عربية أو إسلامية أخرى، دليلاً يؤكد أن الانعزالية، فيما يتعلق بالارهاب، لا تؤدي إلا إلى توليد المناعة والحصانة· وتقول الحكمة التقليدية المتداولة في كثير من بلدان العالم إن البقاء خارج دائرة القتال الدائر يضمن إبقاء الإرهاب بعيداً· غير أن الواقع ينقض، في أية حال، تلك النظرية ويبطلها: فالبقاء خارج المعركة لا يحقق إلاّ إبداء الضعف وإظهار انعدام الرغبة والإرادة لمواجهة أولئك الذين يشكلون تهديداً مصلتاً فوق الرؤوس·
إن الانعزالية تضع الأمة في موضع يتعذر الدفاع عنه: فالارهابيون يتجنبون مواطن القوة ويلجأون إلى مهاجمة الأهداف الضعيفة الرخوة· ومن الضروري أن يكون أولئك الذين يتفادون الحرب على الإرهاب متنبهين دوماً إلى حقيقة أن أحداث العنف الأخيرة وقابلية التعرض للهجوم قد خلقا سياسة عدم التدخل حيال الارهابيين· وقد وقعت عمليتا تفجير يوم السبت الماضي اللتان استهدفتا كنيسين يهوديين في اسطنبول، وأعقبتهما العمليتان اللتان استهدفتا القنصلية البريطانية وأحد البنوك البريطانية في المدينة ذاتها؛ وعلى رغم أن العمليات استهدفت، كما هو واضح، المصلين اليهود والرعايا البريطانيين، إلاّ أنها وقعت في تركيا، وليس في تل أبيب ولا في لندن·
ويبدو أن تركيا قد نسيت الدرس الذي يقدمه التاريخ الحديث، حيث ابتلى أمن البلاد طوال عقد التسعينيات بجماعة مسلحة معروفة باسم حزب العمال الكردستاني (PKK) · وقد أصبح الجزء الجنوبي من البلاد شديد الخطورة، وأدى العنف هناك إلى قيام حكومات بعض البلدان بإقناع رعاياها بالعدول عن السفر إلى تركيا· غير أن تركيا، بدلاً من الانسحاب وإنكار وجود التهديد، بادرت بشن هجوم على الإرهابيين·
وقد جنى الأتراك ثمرة تلك الإجراءات التي اشـــــتملت على شـــــن غــــــارات عبر الحــدود في الأراضي العراقية، والتي بلغت ذروتها بنجاح قوات الأمن التركي في القبض على زعيم ومؤسس حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان في عام ·1999 ومنذ تم اعتقال أوجلان، ضعفت وتيرة الهجمات، وتم تحقيق وقف لإطلاق النار إضافة إلى تهميش الناشطين من أعضاء حزب العمال الكردستاني· وقد تواصل وقوع هجمات عرَضية بين الحين والآخر، غير أن حزب العمال الكردستاني ضعف وتحول إلى ظل لما كان عليه في منتصف عقد التسعينيات·
وعلى رغم أن تركيا قد ردّت على حزب العمال الكردستاني بأسلوب فاعل ومفيد، إلاّ أنها تحجم منذ تلك الفترة عن الالتزام بحملة عالمية النطاق-أو حتى بحملة إقليمية النطاق- ضد الميليشيات والجماعات المسلحة وذلك خشية من وقوع أعمال انتقامية· ولم يكن إحجامها عن الانضمام إلى حظيرة الائتلاف ضد العراق، على رغم وجود الأخطار على حدودها، إلاّ إشارة أخرى إلى تنامي وانتشار مبدأ الانعزالية في سياق الحرب على الإرهاب·
إن تركيا، شأنها شأن سنغافورة وكثير من البلدان الإسلامية الأخرى، تعاني من الأحداث المميتة منذ زمن بعيد· وقد أحجم الأتراك وامتنعوا عن لعب دور فاعل في مكافحة المتطرفين، إذ أنهم يأملون أن يحبطوا العنف في عقر دارهم· ولم يتعلم الأتراك من المملكة العربية السعودية التي كانت متساهلة من البداية فيما يتعلق بالارهابيين على أراضيها· وهكذا نالت تركيا مكافأتها وجزاءها على ذلك بهجمات فتاكة·
مخفقة هي الدبلوماسية التي تسود فيها نية التعامي وغض البصر؛ وليس هناك بديل عن العمل والقتال ضد التهديد المؤكد الذي تشكله منظمة القاعدة·
إن في وسع الأمم أن تنكر حقيقة أن هذه الجماعات تشكل خطراً قائماً ضمن حدودها، أو أن تراوغ وتتملص من الاعتراف ببداهة وجود أي من التهديدات· ويمكن للمملكة العربية السعودية ولغيرها من الدول أن تتظاهر بأن الإرهابيين لن يعضوا اليد التي أطعمتهم، إنكاراً منهم للفضل؛ ويمكن للزعماء أن يكون في نفوسهم ما شاؤوا من الأمل ورجاء أن تنجح السياسات الانعزالية في إبقاء الموت بعيداً عنهم· غير أنهم يخاطرون أشد المخاطرة بتبني تصورات كهذه· إن التاريخ واضح ويقضي بأن الإخفاق في الفعل واختيار الليونة والتزام جانب الرفق في وجه خطر معروف ومعلوم، إنما هو الخطر بعينه· ومن المعلوم أن رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين قد اختار اتباع دبلوماسية التعامي والتجاهل في وجه العاصفة النازية التي كانت آخذة في التعاظم والاشتداد فأعلن قائلاً السلم في زماننا، لكن الحرب العالمية الثانية اندلعت في وقت لاحق بعد إعلانه هذا·
إن مبدأ الاسترضاء اتقاءً للخطر لا يبدو في عيون منظمة القاعدة والجماعات الارهابية الأخرى إلاّ كضعف ووهن، ذلك أن منفذي عمليات التفجير الانتحارية لا يحترمون الحدود القومية الوطنية، ولا التراث القومي ولا المعتقدات القومية، بل إن هدفهم محدود فقط في القتل· لذلك لن تحظى انعزالية أمة ما بمعاملة بالمثل من هؤلاء المنكبين بكل عزيمة على تنفيذ المذبحة الدولية·
وكما قال الرئيس جورج بوش يوم الأربعاء الماضي في العاصمة البريطا