طغت الأحداث المؤسفة التي وقعت في السودان بدءاً من رحيل الزعيم السوداني د. جون قرنق، وما تلاه من صدامات دامية أثارت قلقاً وخوفاً من تطورات تعصف بالسلام الجنيني الذي يتشكل في السودان، طغت على تطورات سلبية تجري في ساحة السياسة السودانية وبخاصة على صعيد المفاوضات التي كانت قد بدأت في الخرطوم بين الحزب الحاكم ووفد من التجمع جاء من القاهرة لاستكمال التفاوض حول بنود لا تزال معلقة ولم تحسم في مفاوضات القاهرة، مع وعد من قبل الحزب الحاكم بالتوصل إلى اتفاق حولها في الخرطوم. إلا أن الإحساس العام في الخرطوم أن السلطة وحزبها الحاكم لم يعودا على نفس درجة الحماس التي بدأت في القاهرة للوصول إلى تسوية سياسية تواكب المرحلة الانتقالية التي يأمل الناس أن تُدعم وتُسند بمشاركة ومساهمة كل القوى السياسية حتى يتوفر للسودان استقرار وتقدم مطلوبان على طريق التحول الديمقراطي السلمي، الذي يطوي وإلى الأبد مرحلة الصراع المسلح والعنف التي عانى منها السودان طوال قرابة عقدين من الزمان.
ثمة حقائق موضوعية اليوم في الحياة السياسية السودانية، من مصلحة السودان أن يدركها وأن يتعامل معها بالجدية والالتزام قادة العمل السياسي فيه، وبخاصة حزب المؤتمر الوطني الحاكم وشريكه الحركة الشعبية لتحرير السودان. أولى هذه الحقائق تقول إن مسيرة السلام التي بدأت لابد أن تتواصل وإنه ليس هنالك مصلحة للسودان والسودانيين في انتكاسها أو التراجع عنها.
وثانية هذه الحقائق أن هذا السلام المنشود وما يجب أن يتبعه من استقرار وأمن لا يمكن أن تبنيه قوة أو قوتان سياسيتان منفردتان.. مثل هذا التفكير يقود إلى تكرار أخطاء تاريخية وقعت في الماضي القريب وما يزال السودان يدفع ثمنها.. فالسلام العادل هو مسؤولية وواجب وحق لكل السودانيين لأن الهدف من السلام هو الشعب، كل الشعب، لا فريقا أو إقليما من أقاليم السودان، وبهذا المعنى تصبح مطالبة التجمع الوطني الديمقراطي بالمشاركة في عملية بناء السلام والمرحلة الانتقالية واجباً وحقاً مشروعاً وليس منة أو حسنة يتفضل بها عليه أحد. وهي أيضاً مشاركة يجب أن تأتي عن قناعة وإيمان بأن أزمة السودان المزمنة لن تحل إلا بتضافر جهود جميع السودانيين وتراضيهم على طريق الديمقراطية والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات.
إن في تجارب السودانيين مع "الأزمات الوطنية الكبرى" البعيدة والقريبة العهد دروساً مستفادة ومتكررة، والعقلاء من القادة والزعماء والسياسيين هم من يأخذون من هذه التجارب العبرة والدرس. فكم من أزمة وطنية كبيرة مرت على ذلك البلد الكبير وذلك الشعب الصبور استطاع أن يتجاوزها بتوحد صفوفه حول أهداف وطنية تجاوزت المكاسب الحزبية والنعرات الإقليمية. والمطلوب اليوم قبل الغد أن يرقى أصحاب "الكلمة العليا" إلى المستوى الذي يجعلهم كباراً حقاً في نظر شعبهم وفي نظر العالم القريب والبعيد عنهم، لأنه إذا تكررت أخطاء الماضي المفجعة فليس لديهم من عذر يعتذرون به إلا التاريخ الحكم الذي لا يرحم.