منذ سنوات بعيدة رفع روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأميركي الأسبق الشهير شعاراً مؤداه: الأمن القومي هو التنمية‍! وها نحن اليوم نشهد خبيراً استراتيجياً أميركياً مرموقاً هو توماس بارنت يعد من ألمع المفكرين الاستراتيجيين المعاصرين يرفع شعاراً آخر يتفق مع التغيرات الكبرى التي شهدتها بنية المجتمع العالمي مؤداه أن "الأمن القومي هو العولمة"! وهو يركز على أبرز سمات العولمة وهي الاتصال اللامحدود بين البشر والثقافات والأقطار المختلفة Connectivity والذي هو ثمرة الثورة الاتصالية الكبرى. بل إنه يتمادى أكثر من ذلك ويقول إن أردت أنْ تعرف سمات نموذج الأمن القومي الجديد بعد سقوط النموذج القديم، فلا تذهب لكي تتناقش مع كبار الجنرالات، ولا مع أبرز خبراء الدفاع، ولكن اذهب لكي تتناقش مع خبراء التكنولوجيا، والاتصالات ومنظمة التجارة العالمية وأساتذة الاقتصاد.
ففي تقديره أن مصدر الخطر الأكبر على الأمن القومي لن يأتي من الدول التي قد تمتلك أسلحة الدمار الشامل، ولكن من الفجوة الكبرى والعميقة بين الدول التي دخلت بعمق إلى عالم العولمة بكل تجلياتها السياسية، ونعني الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، والاقتصادية ونعني حرية التجارة والدخول في عالم السوق الرأسمالي العالمي الممتد والمتشابك، بالإضافة إلى التجليات الثقافية للعولمة والتي تتمثل في محاولة صياغة ثقافة كونية Global تتضمن نسقاً أساسياً من القيم الذي يحكم السلوك الدولي ويحدد أساليب الحوار بين الثقافات بدلاً من شعارات الصراع بين الحضارات، ويقيم أسساً راسخة لثقافة السلام.
والفجوة الواسعة والعميقة التي يتحدث عنها "توماس بارنت" هي بين هذه الدول التي تضمها على مستوى العالم دائرة العولمة. والدول الأخرى التي تقع خارج هذه الدائرة. وهذه الفئة الثانية تتعدد أسباب عدم دخولها حتى الآن دائرة العولمة. فقد تكون دولاً فاشلة Failed States سيطرت عليها نخب سياسية حاكمة استبدادية فشلت في الانصياع إلى الديمقراطية كنظام سياسي مع أنها أصبحت هي روح القرن الحادي والعشرين، أو خاب تخطيطها الاقتصادي نتيجة إصرارها على تطبيق مذهب التخطيط بطريقة جامدة تعتمد على اقتصاد الأوامر، ولا تلقي بالا إلى حيوية نظام السوق. وقد يكون ذلك – وهذا أخطر – لأن بعض الدول تقف موقفاً معادياً من الحداثة، وتتمسك بأصالة ثقافية مزعومة.
وقد يندفع البعض للتأكيد أن الولايات المتحدة الأميركية – على العكس – تمتلك في ظل إدارة "المحافظين الجدد" رؤية استراتيجية متكاملة تتمثل في أطروحات "القرن الجديد". التي صاغها هؤلاء المفكرون "المحافظون" قبل أن يحكموا مباشرة بعد تولي الرئيس بوش ولايته الأولى. وقد يتحدث البعض عن أن هذه الرؤية الاستراتيجية المزعومة برزت في إعلان الولايات المتحدة الأميركية لنفسها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أنها "الإمبراطورية" الوحيدة في العالم، بشعارها الشهير "من ليس معنا فهو ضدنا"! غير أن التحليل الدقيق لردود الفعل الأميركية عقب أحداث سبتمبر يدل دلالة قاطعة على أن واشنطن لا تنطلق في الواقع من رؤية استراتيجية متكاملة. ويشهد على ذلك أنها غزت العراق عسكرياً بعد غزوها لأفغانستان من دون أدنى خطة عن ترتيبات ما بعد الغزو العسكري وسقوط العراق.
غير أن تطورات الاحتلال الأميركي للعراق على الأرض، وما تلاقيه القوات العسكرية الأميركية من خسائر بشرية فادحة كل يوم، وعجزها عن السيطرة على الأمن، يكشف – كما يؤكد "أنتوني كورذمان" وهو من كبار الخبراء الأميركيين بالشرق الأوسط والخليج العربي – أن واشنطن ليست لديها رؤية استراتيجية، وأنها فشلت فشلاً ذريعا في التنبؤ بالأحداث التي يمكن أن تواجهها بعد الغزو العسكري للعراق.
لقد أصبحت المهمة العاجلة الآن للبنتاجون هي وضع خطة للانسحاب من العراق بصورة تجعل الولايات المتحدة الأميركية لا تفقد ماء وجهها، بعد أن ارتدت ثوب الأسد أمام العالم أجمع. والواقع أن بعض الكتاب الاستراتيجيين الأميركيين في محاولتهم لتحليل الموقف الأميركي الراهن يردون السبب إلى غياب المرجعية الاستراتيجية إن صح التعبير، ونعني بذلك الافتقاد إلى قواعد مقننة تضبط سلوك الدولة الأميركية في مواجهة العالم، سواء في ذلك الأعداء أم الحلفاء.
وهم في هذا المجال يقارنون الحقبة التاريخية التي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهت بانتهاء الحرب الباردة بالحقبة التي بدأت بعد زوال النظام ثنائي القطبية وتأسيس النظام أحادي القطبية الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة على العالم بمفردها أو هكذا تظن!
الحقبة الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كانت تتسم ببلورة مرجعية استراتيجية محددة هي مذهب الاحتواء Containment الذي صاغه بعبقرية نادرة الاستراتيجي الأميركي جورج كينان في مقالته الشهيرة التي نشرتها مجلة "الشؤون الخارجية" الأميركية بتوقيع مستعار هو حرف إكس X.
ويقوم هذا المذهب على التطبيع المخطط لكل من ألمانيا واليابان لاستئصال النزعة العسكرية في البلد