"أيها الوطن العراقي العظيم، تكوَّر على جراحك ولا تنحنِ لأيٍ كان. كن شامخاً مثل نخيلك، أول من يستقبل الشمس والمطر". بهذه الكلمات اختتم كتاب "الاعتراف الأخير" رواية القصة الحقيقية للبرنامج النووي العراقي. السخرية المريرة واضحة في عنوان الكتاب، الذي شارك في تأليفه عالم الفيزياء النووية جعفر ضياء جعفر، وزميله عالم الكيمياء النووية نعمان النعيمي. وهل هناك أجدر بالسخرية من كتب "صانع قنبلة صدّام" و"القنبلة في حديقتي المنزلية"، وعشرات الاعترافات والشهادات المزورة عن "أسلحة الدمار الشامل العراقية"؟ و"من غيرنا يعرف الحقيقة على حقيقتها"، يتساءل جعفر والنعيمي، اللذان ساهما في تأسيس وإدارة "البرنامج النووي العراقي" منذ البداية حتى النهاية.
"من الصعب أن تمسك بقِط أسود في غرفة مظلمة ولا سيّما إذا لم يكن هناك قِط". مثل صيني يستشهد به كتاب "الاعتراف الأخير" في تصوير مأساة ضحايا أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، التي لم يكن لها وجود في أي وقت: آلاف العلماء والمهندسين والفنيين العراقيين، الذين قُطعت أرزاق عوائلهم، ودُمِّرت حياتهم العلمية، وأُسروا وسُجنوا وشُرِّدوا واغتيلوا وأهينوا من قبل مفتشين ومستجوبين لا يرقون إلى شسع نعالهم العلمي والأخلاقي.
"البرنامج النووي العراقي"، الذي أشرف العالمان على تطويره في ثمانينيات القرن الماضي دُمِّر بالكامل بعد حرب عام 1991 مباشرة، وهذا هو الذي يحطم القلب. "الاعتراف الأخير" يروي كيف كان العلماء يرقبون "بعيون ملأى بالدموع" مفتشي الأمم المتحدة، الذين يعمل بعضهم لحساب "الموساد" الإسرائيلية "يدّمرون الصرح التكنولوجي المتقدم الذي بنيناه بعقولنا وحدها دون الاستعانة بأية خبرة أجنبية، ودون أن نشتري أو نسرق المعلومات، كما فعل ويفعل غيرنا في بلاد العالم، التي سعت، أو تسعى إلى امتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا النووية.
كان كلا العالمين ترك مواقع أكاديمية رفيعة في الخارج وقرر تكريس حياته لبناء سلاح الردع النووي لوطنه، بعد قصف الطائرات الإسرائيلية عام 1981 "مفاعل تموز". كان المفاعل غير مؤهل أصلاً لإنتاج سلاح نووي، وخاضعاً لرقابة وتفتيش صارمين من "الوكالة الدولية للطاقة الذرية". ولم يكن المهم للعراق مجرد الحصول على سلاح ردع نووي، بل طريق الحصول عليه. ذاك هو "القط الأسود"، الذي يشن الغزاة والمتعاونون معهم حملة غسيل دماغ هائلة لمحوه من ذاكرة وتاريخ العراق والعالم العربي والإسلامي. فالبرنامج النووي، المعروف باسمه المختصر "البرنامج الوطني" كان، حسب جعفر والنعيمي "مدرسة لتأهيل العلماء وتدريب الكوادر الهندسية والتقنية". ضم البرنامج عام 1991 أكثر من 8 آلاف عالم ومهندس وتقني يمثلون النخبة العلمية والفنية للبلد. أسماؤهم وألقابهم تعكس فسيفساء الأديان والأعراق والمذاهب والطوائف، التي تعايشت في العراق عبر التاريخ. وفي برنامجهم الوطني التقى هدف تحقيق "الكتلة الحرجة" critical mass فيزيائياً، وتعني بلوغ "المادة الانشطارية" اللحظة اللازمة لإدامة التفاعل المتسلسل للمفاعل النووي، أو للسلاح النووي، وهدف تحقيق "الكتلة الحرجة" سياسياً واقتصادياً، وتعني الانتقال بالعراق إلى مصافِّ الدول المتطورة.
تكشف عن المغزى الاستراتيجي للبرنامج خفاياه العلمية والتقنية، التي كرّس لها المؤلفان فصلين من الكتاب، نصحا القارئ بتجاوزهما إذا شاء، وأنصح بتجاهل نصيحتهما. فاقتفاء العلماء العراقيين أثر "فريق مانهاتن" الأميركي الشهير، الذي استخدم طريقة التخصيب الكهرومغناطيسي لصنع قنبلة هيروشيما تجربة مثيرة. ولا يقل إثارة تطوير العراقيين تقنيات تُعتبر حتى اليوم أسراراً، كإنتاج "الحاجز المسامي"، واستخدام "الهندسة العكسية" لتصميم تقنيات وأدوات يصعب العثور عليها في الأسواق العالمية، أو قد ينبه شراؤها مخابرات العدو. الطاقات العلمية، والتقنيات الذكية، التي استخدمها البرنامج للتغطية والتمويه تضاهي بمهارتها تطوير التكنولوجيا النووية نفسها. ويعادلها في الأهمية تصميم صفقات مزدوجة الأهداف للتضليل والتطوير، ووضع خرائط توزيع عمليات ومراحل "البرنامج النووي" على مواقع جغرافية مختلفة، تجنباً للضربات الماحقة.
ويتضمن كتاب "الاعتراف الأخير" شهادة تجريم قانونية ضد الغزاة، والمتعاونين معهم، وفي مقدمتهم هانز بليكس ومحمد البرادعي، المسؤولان عن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" وفرق التفتيش. يتحمل البرادعي وبليكس ليس فقط مسؤولية التغطية على أكاذيب واشنطن ولندن حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار، بل "تزييت" طريق واشنطن إلى الحرب بتصريحاتهما المواربة والمشككة. ويتحمل البرادعي مسؤولية إخفاء وثائق تفضح آخر كذبة استخدمها الرئيس الأميركي لشن الحرب بدعوى شراء العراق اليورانيوم من دولة النيجر. والمعلومات الدقيقة، التي يعرضها المؤلفان حول صمت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" عن قصف موقع المفاعل النووي في التويثة عام 1991 تشكل بحد ذاتها وثيقة إدانة بالتواطؤ في جريمة ضد الإنسانية. فالموقع المخصص للأغراض ال