الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة أكد على أن الكثافة السكانية الفلسطينية العالية في القطاع بمشكلاتها وتعقيداتها أجبرت تل أبيب في النهاية على ترك القطاع بمن فيه للسلطة الفلسطينية. شارون أدرك، ولكن في وقت متأخر أنه لا أمل في السيطرة الأمنية على القطاع في ظل الوجود الكثيف للفلسطينيين، وأن الدولة العبرية لا يمكنها أن تواصل هدر أموالها وعتادها في قطاع مفعم بالإشكاليات والتحديات الجسام.
إسرائيل أيقنت لكن بعد فوات الأوان أنها لا تستطيع بسط سيطرتها على أراض يعيش عليها فلسطينيون، فالأولى تعزيز الهوية الإسرائيلية داخل الخط الأخضر، ويبدو أن احتلال الضفة والقطاع كان إجراء وقائيا لحماية الدولة الناشئة أو بالأحرى الدولة الهشة المزروعة في الجسد العربي. إسرائيل احترفت قلب الحقائق وتغيير الخرائط، واليوم، ها هي تجر ذيول الخيبة، وتنكشف أمام المستوطنين الذين غامروا بحياتهم من أجل وهم اسمه "إسرائيل". اليوم يترك المستوطنون "منازلهم" المصنوعة بقوة الاحتلال، والمزروعة في الأراضي الفلسطينية. وأقول لحكومة شارون: كفى عبثاً بأحلام اليهود، وكفى خلطاً للأوراق، فالحقائق تنتصر في النهاية، والحقوق لا شك أنها تعود إلى أصحابها، مهما طال الزمن. اليوم تترك إسرائيل القطاع، وغداً ستترك الضفة، وبعد غد سيتأكد الإسرائيليون أنهم سيصبحون، عاجلاً أم آجلاً، أقلية داخل الخط الأخضر، وساعتها ستتلاشى الدولة العبرية بقوة الديمغرافيا الفلسطينية، ولن تفلح خطط جلب المهاجرين من الخارج، طالما شهد العالم بكائيات المستوطنين في قطاع غزة.
منير عبد القادر- خورفكان