هناك مجلة مدهشة تحتفي بالأعمال الإبداعية، من تصوير وتشكيل وغيره من فن جمالي شبابي مختلف. تصدر هذه المجلة في الدولة، والجميل أنها تعرض فنون شباب من الدولة مواطنين وغيرهم، وكأنها معرض فني على الورق. باختصار هذه المجلة تقول إن بين ظهرانينا شباباً إبداعهم لا يعترف بالحدود ولا نعلم عنهم غير الانتقاد والتهميش.
فالإعلام بكافة وسائله، ركز كثيراً على سطحية الشباب، وعلى أنهم مُفرّغون ويركضون دون رؤية خلف الموضة والصرعة ونانسي عجرم، وأنهم مجرد مسخ لا قيمة له سوى امتطاء صهوة الوجبات السريعة والمعاكسة المقيتة، وأدمغته، إنْ فتحتها، لن تجد فيها غير ألعاب كمبيوترية، وصور خليعة، وبعض الأوراق، التي تحتاج إلى إعادة تدوير.
لكن هذه المجلة وأشباهها تقول عكس ذلك تماماً، بل تُلقي بكل هذه التهم خلف أحلامهم وواقعهم، لتخبر عن فنون جمالية مبتكرة أصحابها شباب إماراتيون وعرب وأجانب يعيشون على أرض هذه الدولة، وقرروا أن يسبحوا مع التيار الذي سيأخذ بيد إبداعهم نحو مرافئ متجددة وتتخذ خيالاتهم ملجأ ومأوى.
فالفنون البصرية التي اعتمدها الشباب انطلقت من لغات الماضي، رغم أنها ترتدي حلة العصرية بكل جنونها وابتكارها.
ورغم أن التكنولوجيا وظفت لتخدم إبداعهم الجمالي، إلا أن اللوحة أو الصورة تضطرك إلى أن تحبس أنفاسك لتتعرف على أرواح تحمل كل هذا الاختلاف وهذا الحس الإنساني العميق بالمكان والأشياء والزمان.
فالفن بعدٌ حضاري أساسي في فهم المجتمعات وتحفيزها لاكتساب صفة بشرية موغلة في التمسك ببعدها الإنساني الخالص، ولعلهم رغم صغر سنهم انعكاس مهم لدرجة النضج الفني الذي وصلوا إليه رغم كل عمليات التشهير والتحقير التي تمارس ضدهم بقصد أو بغير قصد.
وتكمن براعتهم في توظيفهم للتقنية وإحساسهم كأنهم ولدوا ليكونوا أهل الفن الحقيقي، فبعض الصور التي التقطتها إحدى الشابات الإماراتيات تصيبك بالذهول، فكيف يمكن أن تكون لفتاة في العشرين ربيعاً هذه التجربة العميقة المدهشة التي جعلت من الصورة كأنها نحت عصري يشبه إلى حد بعيد ما نفكر فيه وكأنها تناهز الثمانين؟
نضج غير مسبوق واستيعاب متحرر من طقوس ما يجب و"الينبغيات"، تبدأ لتنتهي بتشكيل يشي بتجربة فنية مبتكرة وتستحق الاحتفاء.
الشيء الوحيد الذي يؤخذ على هذا الإبداع هو استخدامهم للغة الإنجليزية، والأسى الحقيقي يكمن في أن يكون الفنان بكل هذا الوعي والانتماء، لكنه يجهل أن يعبّر عن إبداعه بالعربية اللغة الإبداعية الأصيلة التي تستوعب كل طقوس الفن واتجاهاته وتفاصيله. وفي الوقت الذي يعتز فيه الفنان بلغته ويبدع في استخدام عمقها الفلسفي والتفسيري للوحاته، يعاني الفنانون الإماراتيون الشبان من هذه الفجوة، فأغلبهم تعلموا في مدارس أجنبية وواصلوا دراستهم في جامعات تستخدم اللغة نفسها، ما جعل الهوة تبدو كأنها بلا أمل أن تردم.
لا يكفي أبداً أن نقول لهم "أحسنتم"، إنهم يستحقون أكثر من ذلك لأنهم نبض حضاري أساسي في رسم وجه الدولة المشرق في كل اتجاه، وليست جمعية التشكيليين وحدها من عليه أن يتبناهم، على الدولة بكافة قطاعاتها أن تتبنى كل هذا الإحساس الرفيع وأن تتصدر أعمالهم كل مكان حتى جداريات الإعلانات القميئة، للارتقاء بالذوق العام، ولتقدير هذه الروح الجميلة إلى أبعد حد.