اعتبر البعض أن تقرير وزارة الخارجية الأميركية السنوي الذي تناول ما يعرف بـ"الاتجار بالبشر"، والذي صدر في شهر يونيو الماضي، كان مناسبة لإثارة مشكلة "خدم المنازل" بمختلف أشكالها من قبل الجهات الرسمية في الدولة، ومادة دسمة لوسائل الإعلام المحلية والخليجية. ورغم أن التقرير الأميركي بُني في الأساس على مشكلة "ركبية" الهجن في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنها دولة الإمارات، فإن مشكلة خدم المنازل ومن في حكمهم من السائقين والمزارعين والمربيات والطباخين حظي باهتمام ملحوظ ضمن التقرير، ربما لاعتبارات متعلقة بأن معظم الأسر الإماراتية والخليجية تتعامل مع هذه المشكلة بشكل يومي وبالتالي فإن الأمر له علاقة بملف "شعبي" محاط بالكثير من المغالطات.
والواضح من استقراء طريقة تناول وسائل الإعلام الخليجية والمحلية لهذه المشكلة، بعد صدور التقرير الأميركي، أن هناك وجهتي نظر أو زاويتين متباينتين، إما دفاعاً عن موقف الأسرة الخليجية من التقرير الأميركي أو انتقاد الدول الخليجية ومنها دولة الإمارات لعدم توفيرها قوانين تنظم العلاقة بين الخادم والمخدوم.
ومع أهمية توضيح موقف الأسر الخليجية باعتبارها الطرف المتهم في قضية الإساءة إلى الخدم، فإن الواقعية تتطلب في المقابل معرفة الأسباب التي أوصلت الخادمة إلى ما تقوم به من مشكلات وتجاوزات في كثير من الأحيان تكون بعيدة عن المنطق، ومن هنا تأتي محاولتي هذه لتسليط الضوء على المشكلة بهدف الوصول إلى رؤية متكاملة حولها، ولذا سأحاول التعرض إلى مفهوم معاكس لما تم طرحه حتى الآن خلاصته أنه يصعب دحض ما يتردد من اتهامات موجهة ضد الأسر الخليجية والقطع ببراءة الجميع من مثل هذه المزاعم!
فمع التسليم بأن شريحة الخدم ليست براء مما يذكر، وأن سلوكيات الكثيرين من هذه الشريحة تجلب لهم المتاعب، هناك أيضا حالات إساءة كثيرة من المخدومين في معاملة الخدم وبالتالي يصبح المخرج من هذا الالتباس بممارسة الشفافية والوضوح في التعامل وعدم اتباع سياسة التنكر والرفض لكل شيء.
تمثل قضية الاستعانة بخدم المنازل ظاهرة اجتماعية لافتة في دولة الإمارات، وخاصة بعد أن أشارت تقارير إلى وجود اثنين من الخدم لكل أسرة إماراتية كمتوسط عام، بل بالغت بعض الدراسات، بسبب عدم توفر إحصائيات رسمية وهي مشكلة أخرى سيتم تناولها في مقالات أخرى، إلى القول إن لكل اثنين من الإماراتيين خادماً واحداً. ومن جانبها تشير بعض التقديرات الغربية إلى أن عدد خدم المنازل في دولة الإمارات يصل إلى 450 ألفا، وهو رقم ملفت، ولكنه غير موثق رسمياً، ولا يوجد أيضاً رقم "تصحيحي" دقيق معلن من قبل الجهات الحكومية المعنية في الدولة.
وبهذا الشكل بات الخدم جزءاً من البنية الاجتماعية للأسرة الإماراتية، خاصة أن البعض يتحدث عن أن عددهم ربما يفوق عدد الأسرة الإماراتية التي تستقدمهم، فلا يكاد بيت إماراتي - مهما كان مستوى صاحبه المعيشي والوظيفي - يخلو من خادمة أو سائق أو طباخ أو مربية، وهذه الأخيرة باتت متلازمة لكل أسرة مواطنة، وباتت أيضا تلعب دوراً واضحاً في التكوين الثقافي للأجيال الناشئة، وفي غالب الأحيان هناك أيضا ما يعرف بالمرافقة التي تكون وظيفتها مرافقة ربة الأسرة أثناء خروجها من المنزل للتسوق أو إلى المستشفى أو لتلبية احتياجاتها.
إن أهمية القضية وخطورتها معاً، تدفعنا إلى فتح الحديث حول هذا الملف لما له من آثار سلبية على مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية وحتى السياسية والتقرير الأميركي الأخير خير شاهد ومثال على التوابع السياسية المحتملة لهذا الملف المتضخم. كما أن أهمية هذا الموضوع تدفعنا باتجاه التطرق إلى تفصيلات أكثر دقة وتناولها في أكثر من مقال بهدف الوقوف على الكثير من تلك الآثار التي زادت مع تصاعد ظاهرة استقدام خدم المنازل.