العالم العربي يتعرض لأحداث، وتدخلات، واتفاقيات، علنية وسرية، ولإرهاب باسم الدولة أحيانا (إسرائيلي مثلا)، وإرهاب ضد الدولة "القاعدة" ويتعرض لحروب جيوش، وحروب عصابات، ولتغيير أنظمة بكاملها، واستبدال قيادات، ولعمليات مقاومة في وجه التدخلات والحروب الخارجية. كل ذلك يحدث ضد إرادات الدول العربية، أو ربما بمعزل عنها أو عن بعضها. المهم أن كل ذلك يحدث وهذه الدول لا تحرك ساكناً، أو هكذا يبدو. هذه الدول هي المستهدفة من "القاعدة"، ومن أميركا، ومن إسرائيل، لكنها تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها. هناك غياب عربي فاضح في العراق رغم خطورة ما يحدث. وهناك غياب عربي في فلسطين عدا دور الوساطة المصرية. وهناك غياب عربي لما حدث ويحدث في السودان.
ما يحدث في المنطقة ليس أقل من إعادة لرسم خريطة المنطقة بالمعنيين السياسي والجغرافي. وزير الخارجية الأميركية الأسبق، كولن باول، وعشية الحرب على العراق، صرح بأن هذه الحرب ستسمح بإعادة رسم خريطة المنطقة. لم يفصل المعنى الذي قصده بهذا التصريح الذي أثار حينها زوبعة عربية صحفية، لكن (لاحظ) ليست رسمية. لم يكن "باول" يتحدث بطريقة مواربة. تصريحه، وفي ذروة الاستعدادات الأميركية لغزو العراق في ربيع 2003، لا يترك مجالا للحديث عن مؤامرة. الأمور أصبحت مكشوفة، وأحيانا بشكل مقصود، واللعبة تُدار في العلن. ليس هناك أوراق سرية تماما. مسار الأحداث منذ ما قبل الغزو الأميركي يصب بالفعل في خانة إعادة رسم خريطة المنطقة بطريقة علنية، ولا لبس فيها.
الغزو الأميركي للعراق كان من أهم وأخطر الخطوات في هذا الاتجاه. جذور هذا الغزو لا تكمن في موضوع أسلحة الدمار الشامل التي زعمت الإدارة الأميركية أن نظام الرئيس صدام حسين كان يمتلكها. هذا الزعم استخدم كغطاء للحرب. جذور الغزو الأميركي للعراق، وهدف تغيير النظام في هذا البلد العربي، تكمن في إستراتيجية تحالف "اليمين" الأميركي والإسرائيلي، والذي وصل إلى الحكم في البلدين. هذا التحالف، وهذه الاستراتيجية لم تكونا سراً، بل سياسة معلنة، ومنذ 1995. في ذلك العام كان بنيامين نتنياهو، هو رئيس الحكومة الإسرائيلية. وفي عام 1996 عرض "معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية المتقدمة" تقريره على نتانياهو. كان عنوان التقرير "بداية جديدة: استراتيجية جديدة لتأمين النظام" أو (A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm). كان أبرز من شارك في وضع هذا التقرير من "المحافظين" الأميركيين الجدد، حلفاء مجموعة "الليكود" في إسرائيل، مثل ريتشارد بيرل، وجيمس كولبرت، ودوغلاس فيث. الأول والأخير عملا مع إدارة بوش الحالية منذ تسلمها للبيت الأبيض عام 2001.
ينطلق التقرير من قناعة أن سياسات حكومات حزب "العمل" الإسرائيلي السابقة وضعت إسرائيل في مأزق من حيث إنها تركتها في حالة شلل استراتيجي. وبناء عليه، فإن لدى إسرائيل فرصة، تحت قيادة نتانياهو، لأن تدشن بداية جديدة. وهذه البداية تتطلب إطلاق "عملية سلام واستراتيجية" جديدة تقوم على أسس فكرية مختلفة، شعارها " لسلام مقابل السلام" بدل "السلام مقابل الأرض"، السلام من خلال القوة والاعتماد على النفس. بعبارة أخرى، تحقيق السلام يعتمد على موازين القوة، وليس على فكرة الانسحاب وإنهاء الاحتلال. كيف يمكن تحقيق ذلك؟ يرى التقرير أن الهدف الرئيس لإسرائيل في هذا السياق يتطلب أولا ًإضعاف سوريا ثم احتواءها، وتقليص دورها الإقليمي في المنطقة. ولتحقيق ذلك يرى كاتبو التقرير أنه يجب أولاً "إزاحة صدام حسين عن السلطة في العراق"، وثانيا عزل سوريا عن السعودية. الأول يتطلب إعلان الحرب على العراق، أما الثاني فيتطلب إقامة محور يضم إسرائيل، وتركيا والأردن. ومع سقوط نظام صدام حسين وخروجه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، ستجد سوريا نفسها محشورة بين أطراف محور يضم تركيا وإسرائيل والأردن والعراق، وبالتالي معزولة عن منطقة الجزيرة العربية. ويقول التقرير إن سوريا تدرك إمكانية هذا التطور، وأنه قد يكون المدخل لإعادة رسم خريطة المنطقة من جديد، بما يهدد وحدة الأراضي السورية ذاتها.
ومن العناصر التي يقترحها التقرير لاستكمال بناء الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة تغيير العلاقة مع الفلسطينيين بما في ذلك التأكيد على حق إسرائيل في مطاردة الفلسطينيين في كل المناطق الفلسطينية، وتشجيع ظهور بديل لسيطرة عرفات على المجتمع الفلسطيني.
كل ذلك، مما جاء في التقرير يؤكد أربعة أمور: الأول أن إسقاط النظام العراقي السابق كان هدفاً إسرائيلياً في الأساس، وأنه لا علاقة له بموضوع أسلحة الدمار الشامل، أو بمسألة الديمقراطية، وإنما بالسياسة الإسرائيلية وتبنيها لاستراتيجية توازن القوة وليس لفكرة السلام في المنطقة. الثاني، أن عزل وإزاحة عرفات لا علاقة له هو الآخر بموضوع الإرهاب، بقدر ارتباطه بالاستراتيجية ذاتها. ثالثا، أن فكرة توازن القوة في الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المرحلة يتطلب إعادة رسم خريطة المنطقة من جديد، بشكل يعزز من مركز القوة ال