ليست هناك إضافة في القول إن العالم العربي فشل سياسيا في فلسطين وفي العراق والسودان والصومال والجزائر· ولكننا نستطيع أن ننجح اجتماعيا في هذه البلاد العربية·
نعرف التاريخ السياسي للفشل في فلسطين· أما فشلنا في السودان والصومال والجزائر فهو عميق الأثر ولكنه غائب تماما تقريبا عن الوعي العربي خارج البلدين· أما في العراق فكان الفشل كارثيا على كل الأصعدة· وانغرس الوعي بهذا الفشل في الوعي والضمير وسوف يبقى أبد الدهر كأحد أهم تحديات ومحن الثقافة السياسية العربية· فقد فشلنا في المساهمة في وقف المجزرة البشرية التي اشتغلت دون توقف منذ عام 1958 وبشكل يومي منذ استلام صدام لقمة الحكم عام ·1979 ثم فشلنا في تجنيب العراق الغزو والاحتلال الأميركي· ولا زلنا فاشلين في مد يد المساعدة إلى العراقيين لنيل استقلالهم وبناء نظام سياسي جديد·
والعلة الجوهرية وراء الفشل المعمم للعرب في المجال السياسي هو أن أحدا لا يستطيع أن يعطي ما لا يملكه· فمن كان يستطيع أن ينصح الرئيس العراقي السابق أو الرئيس السوداني الأسبق أو غيرهما من الرؤساء الدين زجوا ببلادهم في أتون حروب أهلية لا ترحم بأن يديروا مجتمعاتهم بشيء من الحكمة والعدالة والرحمة -ولا نقول الديمقراطية والحرية والمساواة والكرامة الانسانية- طالما أن حكاما عربا قليلين حكموا مجتمعاتهم هم بشيء من هذا كله·
ولكننا نستطيع أن نعطي على الأقل للعراق والسودان شيئا مما نملكه وفي المجال الذي لا يثير أحدا ولا يقحمنا في صراعات أو خلافات مستعصية وهو المجال الاجتماعي وبصورة محددة المساهمة في حل بعض أهم المشكلات الاجتماعية التي خلفتها سلسلة من الحروب الأهلية والدولية· ففي العراق هناك آلاف من أطفال الشوارع والأيتام أو الذين يعيشون مستويات مروعة من الفقر والتصدع الاجتماعي· ويستطيع العالم العربي ككل أن يركز استراتيجيته في مساعدة العراق على هذا الموضوع اللاسياسي·
نقول إنه لا سياسي لأنه لا يتطلب اتخاذ موقف محدد وقطعي من الغزو أو التواجد الأميركي أو من مجلس الحكم الانتقالي أو من الخلافات المثارة بشأن الدستور الجديد أو غيرها من قضايا السياسة العليا· ولكنه بالطبع سياسي بمعانٍ أخرى وأشد عمقا· فهو يقع في قلب ما يمكن تسميته بـالمفهوم الجديد للسياسة والذي يلغي التمييز الشائع بين السياسة العليا والسياسة الدنيا· الأول يشمل كل ما يتعلق بطبيعة الدولة وسياساتها الكلية ومن ثم بالصراع في الداخل والخارج حول الأنصبة من السلطة والنفوذ· أما الثاني فيشمل في الحقيقة كل قضايا الحياة وبصفة أخص كل ما يتعلق المجتمع وأساليب المعاش ويشغل الناس أو يجب أن يشغلهم· ومعالجة القضية الاجتماعية المتفجرة هو الموضوع الأهم على جدول أعمال السياسة الجديدة التي نأمل أن تصبح المستوى الحقيقي للفعل السياسي من جانب كل الفاعلين المهمين في المجتمعات العربية اليوم وغدا·
ولأن الصراعات والمناظرات تركزت في العالم ككل وفي العالم العربي بوجه خاص على القضايا السياسية العليا أي قضية السلطة لم يعر العرب أو العالم التفاتا للقضية الاجتماعية· ولابد لطرف ما أن يثير ويتناول هذه القضية بالعلاج الفوري وأن يفرضها على جدول الأعمال فيما يتعلق بالعراق· والواقع أن من يتولى هذه المهة سيكون هو البطل الحقيقي في عين الشعب العراقي بكل اقسامه وقواه· وحتى بالمعنى العملي فإن من يريد أن يكون لنفسه سمعة سياسية طيبة في العراق بل وربما نفوذاً حقيقياً على تطور الأحداث السياسية على المدى البعيد هناك هو ذلك الفاعل الذي يطرح تلك المهمة على ذاته وأن يعمل فيها بكل نشاط وهمة·
وكل من يهمه أمر العروبة كقيمة أو كسياسة عملية يجب أن يدرك أن المساهمة في حل المشكلة الاجتماعية المتفجرة في العراق هي آخر فرصة لخطب ود الشعب العراقي والاحتفاظ به في النسق السياسي العربي· والأمر نفسه يصح أيضا في السودان· فاتفاق السلام وشيك· ومن بين الأشياء الأخرى التي ستحدد مصير السودان هو الاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب بعد نهاية الفترة الانتقالية· فإما أن يبقى السودان موحدا أو ينفصل الجنوب· وأحد أهم آليات العمل من أجل حث الجنوبيين على التصويت للوحدة هي الاستثمار في البشر حيث تتفجر مشكلات اللجوء ويعصف الفقر والعوز بملايين من السودانيين وخاصة من أهالي الجنوب والغرب·
على الأقل تعي الجامعة العربية وتناضل لصياغة سياسة ما للمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في السودان· أما في العراق فلا تكاد المشكلة الاجتماعية تثير انتباه الجامعة أو أي بلد عربي بعينه· وقد آن الأوان لوضع استراتيجية عربية للمساهمة في تخفيف حدة المشكلة الاجتماعية هناك·
والمقصود باستراتيجية عربية ليس مجرد مساهمة جميع الشعوب والمنظمات الأهلية والنقابية والحكومات العربية بالموارد اللازمة· فالأهم هو الرؤية والفلسفة والجداول الزمنية· فقد تعلم العالم ونضطر نحن أيضا لتعلم أن العمل الخيري الصرف لا يجدي· فالطريق الصحيح لمعالجة مشكلات اجتماعية متفجرة مثل أطفال الشوار