بعد حادث انقطاع التيار الكهربائي في أميركا سنة 2003، أصبحت مسألة معالجة الخلل الذي يطال الشبكة الأميركية للتيار الكهربائي أمراً ملحاً وطارئاً. ولا يعني ذلك فقط القيام بإصلاح نظام الربط الكهربائي الذي يبدو أنه يعاني فعلا من ثغرات واضحة، بل القيام كذلك بتعزيز الحراسة حول تلك المنشآت بما يضمن عدم العبث بها من قبل الإرهابيين. وعلى كل حال ليس ذلك مستبعدا بالنظر إلى ما تم الكشف عنه خلال الآونة الأخيرة من وجود وثائق ترجع إلى منظمة "القاعدة" ورد فيها احتمال استهداف الشبكة الكهربائية في أميركا. وبالطبع سيؤدي، ذلك في حالة حدوثه، إلى عواقب وخيمة حيث سينشأ عنه فوضى عارمة، وسيؤثر سلبا على الاقتصاد القومي، كما أنه من المتوقع أن يخلف ضحايا في الأرواح.
لكن وبعد مرور سنتين على وقوع ذلك الحادث الذي أدخل أميركا في غياهب الظلمات، هل يمكن أن نجزم بأن الشبكة الوطنية للكهرباء أصبحت آمنة؟ للأسف ليس بعد. فمازال بإمكان الإرهابيين توجيه ضربة قاسية إلى الشبكة الكهربائية تجعل أقوى دولة في العالم تغوص لعدة أسابيع في حلكة الظلام، وتُفقدها الكثير من احترامها في العالم. والسبب هو أن شبكتنا الكهربائية تقوم بتوزيع الكهرباء إلى المناطق المختلفة حسب الحاجة، حيث تقوم المولدات بتحويل الطاقة بواسطة أسلاك عالية التردد، وذلك باستخدام محطات فرعية لتوليد الكهرباء. ويتم التحكم في هذه المحطات الفرعية من خلال نظام تشغيل هائل يعتمد على الكمبيوتر. كما أن هذا النظام المعقد يعتمد في تشغيله على محولات كهربائية وميكانيكية يصعب استبدالها بأجهزة أخرى. وتلعب هذه المحولات الكهربائية دوراً مهماً في التخفيف من الضغط العالي للكهرباء وتفادي الأعطاب التي يمكن أن تشل كليا المنشآت الكهربائية وعملية نقل الطاقة إلى المناطق المختلفة داخل الولايات المتحدة. وهنا بالضبط تكمن نقطة ضعف تلك المنشآت، ذلك أن المحولات المهمة وفائقة التقنية التي تنقل الكهرباء موضوعة في بنايات تفتقد إلى الحراسة الكافية. ففي الوقت التي تتكفل الأسلاك الشائكة بتوفير الحماية للمحطات الفرعية لتوليد الطاقة الكهربائية، تعاني المحولات من نقص شديد في وسائل الحماية. وفي معظم الأحيان لا يحيط بأجهزة التشغيل تلك سوى بيوت من الألمنيوم لا تشكل أية حماية حقيقية لها. وبالرغم من وجود المئات من تلك الأجهزة في الولايات المتحدة، إلا أنها ليست بنفس الأهمية، حيث توجد أجهزة حساسة تنقل كميات هائلة من الطاقة.
ولكي يقوم الإرهابيون بشن هجوم على هذه المحولات الكهربائية ما عليهم سوى دراسة الوثائق التجارية المنشورة التي تحدد مكان تواجد محطات توليد الطاقة ومن تم النفاذ إلى المحولات التي غالبا ما تكون مجاورة لها. والأكثر من ذلك أن تلك الوثائق توفر تفاصيل دقيقة حول قدرة المحولات الكهربائية والمناطق الجغرافية التي تتكفل بنقل الطاقة إليها. لذا فإذا نجح الإرهابي في التسلل إلى داخل المحولات ذات الحراسة الضعيفة، فإنه يمكنه بسهولة أن يعطل أجهزة الكمبيوتر التي تشغل المحولات، وبالتالي التسبب في قطع التيار الكهربائي عن قطاعات واسعة من المناطق الصناعية الحساسة، فضلا عن المناطق السكنية مما ستنتج عنه فوضى واضطراب كبيران. وبالإضافة إلى العتمة التي ستغلف مناطق حيوية عديدة، فإن من شأن استهداف المحولات وتخريبها أن يركز الضغط على شبكة الربط الكهربائي، خصوصا في فصل الصيف حيث الطلب على الكهرباء يصل إلى ذروته. أما في حالة استهداف أكثر من محطة في نفس الوقت وبصورة متزامنة، كما دأب على ذلك الإرهابيون، فإن المتوقع أن يعم الظلام مناطق شاسعة من الولايات المتحدة الأميركية.
ولكم أن تتصوروا ماذا سيحدث لو تم تخريب إحدى محطات توليد الكهرباء عن طريق التسلل إلى المحولات المسؤولة عن نقل الطاقة. فنظرا لكون الأجهزة الموجودة في كل محطة لا تشبه الأجهزة الأخرى بل هي مختلفة عنها، فإن من شأن أي انقطاع في التيار الكهربائي أن يأخذ الكثير من الجهد والعناء من قبل الفنيين حتى يتمكنوا من إصلاحه. أما إذا طال التخريب أكثر من محطة فإن الوضع سيصبح أصعب حيث من الممكن أن تستغرق فترة الإصلاح مدة أطول قد تمتد على مدى أسابيع بأكملها قبل أن ينجح المهندسون في إصلاح العطب وإعادة ربط المحولات بالشبكة الكهربائية من جديد. ولعل أكبر تحدٍّ بالنسبة للفنيين هو التوصل إلى العناصر الأساسية للمحولات الكهربائية، لكنهم ما أن يتوصلوا إلى العناصر الأساسية تلك حتى يكون عليهم إعادة برمجة أنظمة تشغيل المحولات، وهو أمر بالغ الصعوبة والتعقيد.
كيف السبيل إذن لتفادي الوقوع في مثل هذه الأزمات واستباق أي عمل إرهابي قبل أن يبادرنا به الإرهابيون في يوم من الأيام؟ الجواب بسيط للغاية. يتعين على الحكومة والقطاعات الصناعية الأخرى أن تشدد من مراقبتها الأمنية على تلك المنشآت وتوفر كافة وسائل الحماية لها. ويتعين كذلك التركيز في البداية على تلك المحطات المسؤولة عن تشغيل صناعات عديدة وتغطية مناطق جغرافية شاسعة، ومن ثم الاهتمام بما هو