بعد أن أثار جدلا واسعا بين علماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة حول نظريته المبشرة بالصراع القادم بين الحضارات والتي ضمنها آراءه حول هذا الصراع، ها هو هنتينغتون يخرج بنظرية جديدة تستهدف هذه المرة المهاجرين إلى الولايات المتحدة من بلدان أميركا اللاتينية والناطقين باللغة الأسبانية.
من الواضح أن نظرية هنتينغتون حول صراع الحضارات، وبالأخص الصراع بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية بدأت تفقد بريقها، فالأفكار المتطرفة الواردة فيها والتي تعبر أساساً عن توجهات المحافظين الجدد الذين أدخلوا العالم في صراعات عديدة لم تلق التأييد اللازم من المفكرين والعلماء والسياسيين الأوروبيين، حيث دعا رئيس الوزراء الأسباني ثاباتيرو ووزير خارجيته موراتينوس في الآونة الأخيرة إلى تبني فكرة "تحالف الحضارات" بدلا من "صراع الحضارات".
جديد هنتينغتون هو السهام الموجهة للمهاجرين من أميركا اللاتينية، وذلك في كتابه الجديد والذي صدر مؤخرا بعنوان "من نحن؟ تحدي الهوية الأميركية"، وفيه يسلط الضوء على الخطر الثقافي المتعاظم للمهاجرين من بلدان أميركا اللاتينية، وبالأخص المكسيكيين الذين لم يستطيعوا حسب زعمه الاندماج في المجتمع الأميركي، وظلوا يعيشون في غيتوات تتحدث الأسبانية، ما يشكل تحديا خطيرا للغة والثقافة الإنجلوسكسونية.
من الواضح أن نظريات هنتينغتون تفسر كافة التناقضات الإثنية والمعيشية والقومية من خلال الصراع العنيف بين الأمم، فالمسلمون والكونفيشيوسيون يحاولون السيطرة على العالم من وجهة نظره، وذلك على الرغم من الهوة التكنولوجية والعلمية التي تفصل العالم الغربي عن العالمين الآخرين. أما اللاتينيون، فإنهم يشكلون تحديا ثقافيا خطرا لابد من التصدي له، قبل أن يستفحل ويهدد وحدة المجتمع الأميركي بل ويهدد بقاء الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة في العالم.
هذا ناهيك عن أن أسس هذه النظرية، أسس ضعيفة لا يدعمها تطور العلاقات الدولية في عصر العولمة، فالعالم رغم الصراعات المتعددة التي يشهدها اليوم، فإنه يسير باتجاه التعاون والانفتاح، هذا ما تدلل عليه الإنجازات العلمية والتقنية، وبالأخص في مجال تقنية الإعلام والاتصالات، حيث تلعب الولايات المتحدة دورا رياديا في قيادة العالم لتحقيق المزيد من التقدم العلمي والتقني، كما يتأكد هذا التوجه من خلال التعاون الدولي في نطاق المنظمات العالمية، كمنظمة التجارة والبنك والصندوق الدوليين وكذلك توجهات الاتحاد الأوروبي الذي يسعى إلى عقد اتفاقيات شراكة اقتصادية وتعاون مع جيرانه، بما فيهم جيرانه من العرب والمسلمين.
هنتينغتون يحاول دعم قناعاته السياسية المحافظة من خلال تسويق نظرياته والتي أعطاها الاعلام أكثر مما تستحق من الاهتمام والنشر، بما في ذلك نظريته الجديدة حول المهاجرين اللاتينيين والهوية الأميركية والتي سوقها الاعلام باعتبارها نظرية القرن، في الوقت الذي يتم فيه تجاهل مئات الأفكار والنظريات التي تخدم التعايش السلمي والتقارب بين الشعوب والحضارات.
أطروحات هنتينغتون الجديدة ستلاقي نفس مصير أطروحته السابقة حول صراع الحضارات، حيث تحدث عنها العالم كثيرا ومن ثم تم دحضها على أكثر من صعيد، كما هو حال الأغاني الهابطة والتي تنتشر بسرعة البرق ومن ثم تنتهي بنفس السرعة. لا يمكن لأي حضارة من الحضارات مهما بلغت مساهمتها في التقدم الإنساني المشترك أن تنفي مساهمات الحضارات الأخرى وأن تدعي تفوقها، كما يحاول السيد هنتينغتون القول، فالتطور الحضاري عملية مستمرة تنتقل فيها الريادة من حضارة إلى أخرى، كما هو الحال في سباقات التتابع بالضبط، بحيث تصبح الحضارة الإنسانية والتقدم البشري عملية مشتركة بين مختلف حضارات الأرض.
هذه هي الحقيقة التي لا تستطيع أي نظرية أن تدحضها، فاللاتينيون في أميركا الشمالية أصبحوا جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي الأميركي وإن التعامل معهم لا يمكن إلا أن يكون على هذا الأساس، إذ أن البديل هو التهديد الحقيقي الذي يحاول السيد هنتينغتون التنبيه إليه، حيث يمكن لنظريته أن تأتي بنتائج معاكسة تماما وأن تؤدي إلى تأجيج الصراع بين القوميات والإثنيات المختلفة في الولايات المتحدة.