بالانسحاب الاسرائيلي الوشيك من قطاع غزة تدخل عملية السلام في الشرق الاوسط مرحلة جديدة، من عدة زوايا، الا أن أحد أهم ما فيه أنه -على الاقل- ينقل النزاع الى مستوى آخر واستحقاقات اخرى·
فإنهاء الوجود الاسرائيلي من غزة، لا يعني بالتأكيد إنهاء مشكلة الاحتلال وتسوية كل الخلافات وإغلاق باب النزاع للأبد· واسرائيل تعرف أن ثمة استحقاقات كثيرة يتعين عليها التعامل معها فور الانسحاب من غزة، أهمها وأبرزها طبعا، مسألة الضفة الغربية والمستوطنات الموجودة فيها الى جانب قضية القدس وحق العودة للاجئين
فالمستوطنات التي نبتت في الضفة الغربية كأشجار شيطانية صار يعيش فيها 240 الف اسرائيلي وسط 2.4 مليون فلسطيني· بما يعني أن مستوطني الضفة اكثر بكثير من مستوطني غزة الذين لايتجاوز عددهم 8500 اسرائيلي· وهنا إحدى تعقيدات الوضع في الضفة التي يتعين على الحكومة الاسرائيلية أن تعمد الى حلها وبسرعة·
والانسحاب من غزة يقدم فرصة ذهبية لاستئناف جهود السلام التي توقفت طويلا· وليس أنسب من تلك اللحظة لوصل ما انقطع من عملية السلام في واقع الامر·
لان التوقف عند حدود قضية الانسحاب من القطاع، بما يعني تبني خيار غزة أولا وأخيرا، انما ينسف عملية السلام من الاساس ويهدم الفكرة التي انبنت عليها، على الاقل فلسطينيا·
والتباطؤ في الامر أو تجاهله سيثبت للفلسطينيين انهم كانوا على حق عندما راودتهم المخاوف من ان الانسحاب الاسرائيلي من غزة يعني اغلاق باقي الملفات المعلقة· فليس من المقبول ابدا أن تكون غزة ثمنا للضفة ولباقي القضايا المصيرية الفلسطينية·
أي انه ليس ثمة من يقبل ابدا استلام غزة مقابل نسيان الضفة وملحقاتها·
وهذه السياسات الاسرائيلية لو صح انها فعلا السياسات التي تتبناها حكومة شارون لن تخدم عملية السلام والفصائل الفلسطينية أعلنتها صريحة انها ستواصل كفاحها من اجل كامل الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية· ومن ثم فان الحكومة الاسرائيلية تستطيع ان توفر على نفسها وعلى جميع الاطراف المعنية مرحلة جديدة من التوتر والعنف والمواجهات·
فالعودة الى المربع صفر ستكون كارثة بكل المقاييس، لان الظروف الاقليمية والدولية لم تعد تحتمل مواجهات وأزمات من هذا النوع· فضلا عن انه آن فعلا للفلسطينيين أن يعيشوا في دولة مستقلة امنة لها مختلف مقومات الحياة والبقاء مثلهم مثل باقي شعوب الارض · وحرمانهم من ذلك انما يعني حرمان الاسرائيليين من الامن والاستقرار·
وذلك تحديدا هو ما ينبغي على الاطراف الدولية المعنية ان تدركه وتستوعبه· أي انه عليها ان تستغل تلك اللحظة المواتية لممارسة أقصى قدر من الضغوط على الجانب الاسرائيلي للاستفادة من هذا الزخم والمضي قدما على طريق السلام·
اما العمل على تسويق الانحساب من غزة باعتباره الحل النهائي والاخير للقضية فسيكون خداعا مكشوفا يضر باصحابه قبل ضحاياه·