تنبَّه بعضُ المحلّلين، أثناء استعراضهم لأحداث موريتانيا الأخيرة إلى إمكان ظهور التناقُض من جديد، بين العرب والسود هناك، أي بين من يُعرَفون ببني حسّان والزنوج. ومع أنّ التوتُّر كامنٌ فعلاً، بعد أن ظهر في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؛ على أنّ عودته رهنٌ بوجود مصلحةٍ في ذلك أو اهتمامات، لدى الدول الأفريقية السوداء المجاورة، كما لدى الجهات الراعية لموريتانيا وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة. لكنّ ما لم يظهر حتى الآن في موريتانيا، ظهر في العراق والسودان. فانهيار الأنظمة العسكرية وشبه العسكرية لأسبابٍ داخليةٍ وخارجية، ما خَلَفَهُ في أي بلدٍ عربي حتى الآن قيامُ نظامٍ ديمقراطي؛ بل فوضى بنّاءة (الطرفة الأميركية المتسمة بالسخرية السوداء) أو فوضى كارثية. ويريد بعضُ المحلّلين "اليمينيين" الغربيين إرجاعَ ذلك إلى أنّ المجتمعات العربية والإسلامية (وربما الأسيوية والأفريقية) مجتمعاتٌ انقسامية. وهي لا تتماسكُ إلاّ بقوة الدولة وعنفوانها. والدول القائمةُ حسب هذه النظرة، هي في الغالب من صناعة الاستعمار وترتيباته. وعندما تهددت بالانقسامات، جرى إمساكُها بالأنظمة العسكرية خلال الحرب الباردة. وفي حين "يسعى الأميركيون إلى تغييرها ديمقراطياً، تتفتّتُ بين أناملهم اللطيفة أو العنيفة، بسببٍ من طبيعتها الانقسامية الغلاّبة! ولستُ من أنصار هذه الرؤية السوداوية. لكنّ الانقسام أو تفكك الدولة الوطنية أو دولة ما بعد الاستعمار، ربما يكون هو الذي يجري في السودان والعراق؛ ولذلك عِلَلُهُ وأسبابُه.
إنّ الجامعَ بين السودان والعراق، أنّ المسألة القومية أو الإثنية قائمةٌ فيهما منذ عقودٍ وعقود. في السودان بين الشمال العربي الثقافة، والجنوب الأفريقي اللغات والإثنية. وفـي العراق بين العرب (سنةً وشيعة) والأكراد. وما أحسنت الدولةُ الوطنيةُ، دولة العسكر والمخابرات في أكثر العقود الماضية، التعامُل مع هذه المشكلة، فأدَّى التصرف الأمني والقمعي إلى تفاقُمها أيام حكم العسكر الانقلابي باسم الإسلام في السودان، وأيام الحكم القمعي لصدّام حسين بالعراق.
قام نظام عمر البشير وحسن الترابي في السودان، ليس من أجل صبغ الدولة بصباغ الإسلام فقط، وبل من أجل "حلّ" المشكلة مع الجنوب بالقوة، شأن الأنظمة الاندماجية في الدولة الوطنية. لكنْ عندما عجز النظام عن إنجاز الحلّ العسكري، لجأ للتفاوُض بمشاركةٍ أفريقيةٍ ورعايةٍ أميركية. وأمكن الوصولُ إلى حلٍ مؤقتٍ بين تنظيم جون قرنق الجنوبي وحلفائه، ونظام البشير، هو في الحقيقة ترتيبٌ للانفصال من طريق ممارسة حق تقرير المصير بعد سنواتٍ من جانب الجنوب. لكنّ قرنق مات في حادث طائرةٍ قبل أيام؛ ولذلك تجددت المخاوفُ من اندلاع النزاع من جديد، تحقيقاً للانفصال ولدولة الجنوب الآن، وليس بعد سنوات. والمنتظر الآن قرار القيادة الجديدة في الجنوب، والخيار الأميركي بالاستمرار في التسوية أو نقضها. لكنّ المتغيّر المنتظر ربما كان يحدث الآن في الشمال وليس في الجنوب أو في الدول المجاورة أو الولايات المتحدة.
أما في العراق، فقد انفجرت في ظلّ الاحتلال الأميركي كلّ النزاعات الممكنة وغير الممكنة. وفي المفاوضات على الدستور الآن، يبدو الأكراد غير مهتمين بشيءٍ إلاّ بالانفصال، لكنْ بعد الحصول على كركوك ونفطها. لكنْ في حين ينتظر المراقبون الخيار الأميركي في الصيغة المستقبلية للعراق المنقسم أو الموحَّد، يبدو أنَّ الأمر قد حُسم، نتيجةَ انهيار وحدة الطرف العربي أو "الأكثرية" العربية. فالشيعة والسنة يتذابحون يومياً في وسط العراق وجنوبه. والشيعة- الموجودون في السلطة الآن على الأقلّ– لا يبدون مهتمين إلاّ بالسيطرة على جنوب العراق وبغداد، وهم مستعدون للبقاء مع سنة وسط العراق؛ لكنْ على أن يظلَّ هؤلاء تحت سيطرتهم. أما السنة فلا يملكون بدائل تتسع لهم وللشيعة والأكراد، وهم لا يريدون إلاّ خروج الأميركيين، ومنع الشيعة من إقامة نظامٍ لهم السطيرةُ فيه.
والفتنةُ الضاربةُ الأطناب والدموية بالعراق، لها مثيلتُها السياسية في شمال السودان. فالقوى السياسية الرئيسية ضدّ النظام العسكري القائم بالمطلق، وقد بلغت خصومتُها معه خلال التسعينيات إلى حدود التحالف الجزئي أو الكلي مع جون قرنق. وقد صار كثيرٌ من زعماء تلك القوى يعتبرون جنوب السودان عبئاً على الشمال ولا يُمانعون ضمناً أو علناً في انفصاله، في مقابل قدرتهم على تغيير نظام الحكم، وإقامة سودان شمالي ديمقراطي.
وهكذا فكما انهارت "الأكثرية" العربيةُ بالعراق، بسبب الصراع على السلطة، ولجأت للتصفيات الدينية والعرْقية، تنهارُ "الأكثرية" العربيةُ في السودان، بسبب الصراع على السلطة أيضاً أو على تغيير نظام الحكم. وفي العراق سيؤدي ذلك لظهور الدولة الكردية، ولاستمرار النزاع على صيغة الحكم بين السنة والشيعة. أما في السودان فسيؤدي ذلك لقيام دولة الجنوب، وربما استمرار النزاع بين الجيش السوداني والقوى السياسية في شمال السودان.
لماذا لم يحدث ذ