أتذكر اليوم قصة حدثت في إحدى دولنا العصية على الإصلاح، فقد تقدم بعض المصلين بشكوى إلى المسؤولين ورجال الشرطة والأمن والاستخبارات بأن شيخ الجامع يطيل في خطبة الجمعة ولا يعبأ بالمرضى منهم وكبار السن والجالسين تحت الشمس الحارقة صيفاً والبرد الممطر شتاءً، فصدرت الأوامر باعتقال هذا الشيخ فوراً وإلقائه في غياهب السجن على فعلته، وتم تعيين شيخ آخر لهذا الجامع، يكون مسؤولاً عن الخطبة والوعظ، فقام بعض الحكماء والعقلاء من المصلين بإعلامه بقصة من سبقه وما جرى له حتى يتعظ ولا يتورط في إطالة خطبة الجمعة، ولذلك عندما جاء موعد خطبة الجمعة وقف الإمام الجديد بين المصلين وسألهم إن كانوا على دراية بقصة "نوح" عليه السلام؟ فأجاب الجمع بنعم، فأسرع وأمر بإقامة الصلاة، وبعد انتهاء الصلاة قام الشيخ الإمام وسأل جموع المصلين عن مدى معرفتهم بقصة "موسى" عليه السلام فجاءت الإجابة بالإيجاب، فأمرهم بألا يحضروا الجمعة التالية ويوفروا على أنفسهم عناء الذهاب إلى المسجد.
هذه القصة تحمل معاني عدة من أهمها أن الذين أفتوا لأميركا ودفعوها لشن الحرب على العراق لم يتعظوا بما حدث لها في أفغانستان، ثم بعد ما حدث في العراق، كان المتوقع أن يقوم الحكماء والعقلاء في الإدارة الأميركية بنصح بوش الصغير بعدم التهور في إثارة أي حرب أخرى إلى حين استقرار الأوضاع في العراق، حتى يصبح قاعدة انطلاق أميركية لعمل عسكري آخر، إلا أن المصيبة أن هؤلاء الحكماء خافوا من السطوة الأميركية وآثروا الصمت، الأمر الذي قد يورط أميركا في فتح جبهة جديدة سواء عن طريق وكلاء أو بطريقة مباشرة.
تحت زعم الحرب على الإرهاب بات كل شيء مستباحاً للإدارة الأميركية، لتتهم من تريد وتهاجم من تريد، وتغض الطرف عمن تريد، وأصبح الجميع من حلفاء وأصدقاء وأعداء في كفة واحدة أمام الطاغوت الأميركي، والجميع ينتظر حكمه، والسؤال المطروح على مستوى المنطقة العربية: ماذا بعد العراق؟ هل هي إيران أم سوريا أم السعودية أم مصر؟ ورغم مشروعية السؤال إلا أن الإجابة عليه ليس فيها أي مشروعية، لسبب بسيط هو أن تصرفات بوش الصغير وإدارته ليس فيها منطق أو واقعية أو مشروعية بل تتسم بالعشوائية، فهو لا يفرق بين الإسلام والإرهاب، وبين البريء والمظلوم، وبين الحليف والعدو، ويكيل بمكاييل عدة، ولا يلتزم بالشرعية الدولية، ولا يحترم سيادة الدول، ويقف ضد إرادة المجتمع الدولي.
وإذا كان الأمر كذلك فإن أي تنبؤ أو استشراف لتصرفات أميركا في ظل قيادة بوش الصغير وزمرته محكوم عليه بالفشل، ولكن استقراء الأحداث ربما يمنحنا الفرصة لمعرفة هدف أميركا بعد العراق.
وربما تكون المعادلة المحتملة هي "اضرب سوريا، وساوم إيران، واضغط على السعودية، واقهر مصر، وفاوض الإرهاب و"طنش" على صورة أميركا في العالم".
بالنسبة إلى سوريا فإن أميركا تمهد حالياً إقليمياً وعالمياً لـ"كفيلها" في المنطقة "إسرائيل" لشن ضربة موجعة لسوريا إن لم تنصع طواعية أو قهراً لأوامر بوش الصغير، المعلنة وغير المعلنة، والتي تتمثل في سحب سوريا لكل ذيولها من لبنان، وعدم تدخلها في الشأن العراقي وما يحدث فيه، ونزع سلاح حزب الله، وفك الارتباط مع إيران، والتسليم لإسرائيل.
لذلك فإن ما تقوم به سوريا حالياً من محاولات بدائية للانفتاح الاقتصادي، والتحول على استحياء إلى الديمقراطية، ورفع المعاناة عن كاهل الشعب السوري، رداً على الاتهامات الأميركية المعلنة ولتفادي غضب الامبراطور بوش الصغير وعقابه، لا تعني أي شيء للإدارة الأميركية، ما لم تنفذ سوريا حرفياً الأهداف غير المعلنة وتتفهم فحوى ما بين سطور إشارات إدارة بوش الصغير، لذا فإن سوريا ستظل أحد أهداف العمل الأميركي بالوكالة إلى حين الالتزام الكامل بالأوامر الصارمة للامبراطورية العظمى، ويكون ذلك واضحاً للعيان، العدو قبل الصديق.
أما إيران فإن المساومة على "الطريقة الأميركية" ستكون الوسيلة لفرض أهداف إدارة بوش عليها، والتي نتوقع أن تتحقق جميعها، فمن خلال استقراء تطورات الأحداث بين إيران والولايات المتحدة منذ نهاية السبعينيات من القرن العشرين وحتى الآن، نستطيع أن نميز أربعة أهداف استراتيجية للسياسة الأميركية الراهنة تجاه إيران، هدف واقعي وهدف عادل وهدف مرتبط بالالتزام الانتقامي وهدف معلن.
الهدف الواقعي للسياسة الأميركية الحالية تجاه إيران، هو وقف المحاولات الإيرانية لتقويض السلطة الأميركية في العراق وذلك من خلال دعم عناصر شيعية وإرسال عملاء إيرانيين عبر الحدود العراقية لعرقلة الجهود الأميركية الرامية إلى تشكيل إدارة سياسية لمرحلة ما بعد صدام حسين لا يكون للشيعة الموالين لإيران الحكم فيها.
أما الهدف العادل للسياسة الأميركية الراهنة تجاه إيران، فهو منع إيران من امتلاك أسلحة دمار شامل خاصة النووية منها ووسائل إطلاقها الاستراتيجية، بعد أن ظهرت معطيات جديدة مؤخراً بشأن التقدم الذي تحرزه إيران في برنامجها النووي، وخاصة أن إيران تعتبر أميركا "الشيطان الأك