لقد أثار قرار الحكومة الإيرانية استئناف نشاط تخصيب اليورانيوم في محطة أصفهان في ظل العرض الأوروبي بالتعاون المشترك العديد من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تحرك البرنامج النووي لطهران. فإذا كان الهدف الوحيد لإيران وراء إصرارها على تطوير قدراتها لإجراء دورة مستقلة للوقود النووي هو التمكن من تخصيب اليورانيوم لاستعماله في محطات توليد الطاقة كما تدعي ذلك، فلماذا إذن الاستعجال والتحدي اللذين تقابل بهما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، بالإضافة الى الوكالة العالمية للطاقة الذرية؟ ونظراً لأن المحطة النووية الوحيدة لإيران في "بوشهر" مازالت قيد الإنشاء ولم تكتمل بعد، فضلا عن وجود اتفاق توصلت إليه طهران مع روسيا يقضي بتزويدها بالوقود النووي عند استكمال المنشأة، فإنه يحق لنا أن نطرح السؤال: لماذا هذا الاستعجال من جانب طهران، خصوصا وأن محطتها النووية الوحيدة لن تصبح جاهزة للعمل إلا بعد سنوات عديدة؟ وفي الواقع لا يوجد سوى ثلاثة تفسيرات محتملة للإصرار الإيراني على مواصلة أنشطتها بتخصيب اليورانيوم.
التفسير الأول هو أن الإيرانيين يشعرون بالغضب تجاه الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية بسبب معاملتهم معاملة مختلفة عن باقي الأعضاء الموقعين على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وهذا ما يؤدي في نظر طهران إلى تعرية دوافع هذه الجهات الدولية من أية مصداقية. لذا فليس غريبا أن تبدي الحكومة الإيرانية تصلبا ورغبة راسخة في تحدي المجتمع الدولي واستئناف أنشطة تخصيب اليورانيوم. والجدير بالذكر أن هذا التحدي يعتبر محط إجماع في إيران حيث جاء بمباركة من البرلمان الإيراني، فضلا عن دعم أغلب النخبة الإيرانية بما فيها تلك التي تعارض القيادة الحالية. وبعبارة أخرى فإن إيران تسعى إلى فرض حقها كأمة مستقلة، معتزة بنفسها، تقوم بما تراه من صميم حقها، وفقا للمعاهدة الدولية للطاقة الذرية.
التفسير الثاني لإصرار إيران على المضي قدما في برنامجها النووي هو تلك اللعبة السياسية الذكية التي تحاول أن تلعبها على الصعيد الدبلوماسي. فما أن قام الاتحاد الأوروبي بإحالة رفض طهران للمقترحات الأوروبية على لجنة الوكالة الذرية لعقد اجتماع طارئ حول الموضوع، حتى بادرت الحكومة الإيرانية بالإعلان على الملأ عن رغبتها في مواصلة المفاوضات مع الأوروبيين، بالرغم من الشروط الجديدة لطهران. وسيشمل الاتفاق الجديد في حال التوصل إليه الاعتراف بحق إيران في حيازة التكنولوجيا النووية ومعالجة مخاوفها بشأن القضايا الأمنية، خصوصا الحصول على التزام أميركي بعدم الانخراط في أي استراتيجية "لتغيير النظام" في طهران. والأكثر من ذلك تؤمن إيران أن لديها أوراقاً قوية يمكن أن توظفها لمصلحتها. ليس أقلها ما تعتقده من أن الولايات المتحدة تغرق في المستنقع العراقي، وأنها ليست في وضع يؤهلها لتهديد إيران في هذه اللحظة. كما تعتبر أن حقها في استئناف دورة الوقود النووي يلاقي دعماً من قبل بعض الأعضاء في الوكالة الذرية مثل ماليزيا وجنوب أفريقيا. وحتى العقوبات التي يلوح بها بعض أعضاء مجلس الأمن أصبحت في نظر الإيرانيين أمرا مستبعدا.
أما التفسير الثالث، فيتمثل في صعود قيادة "محافظة" جديدة إلى سدة الحكم في إيران تضم فريقاً جديداً من المفاوضين الذين سينكبون على معالجة القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية. وبالطبع سيتبنى ذلك الفريق "المحافظ" خطاً متشدداً في التفاوض مع الحكومات والمؤسسات الأجنبية. ويبدو أن إيران قد وصلت إلى قناعة أن مصالحها الأمنية تستدعي استكمال دورتها للوقود لتعزيز قدراتها في مجال تطوير الأسلحة النووية، خصوصا إذا ما أصبحت الظروف الدولية أكثر تهديدا لأمنها. لذا فبالرغم من الإشارات التي أبدتها إيران بشأن استعدادها للتفاوض مجددا، إلا أنها عازمة على مواصلة أنشطتها النووية مهما اشتدت عليها الضغوطات الخارجية. فهي تمتلك المال والمهارات الهندسية اللازمة لتجاوز أية عقوبات محتملة، كما أن حساباتها تقول بأنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل في وضع يسمح لهما بتوجيه ضربة لها، وهي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تعطل البرنامج النووي الإيراني.