في حين تتجه الدولة إلى التركيز على البحث العلمي وتخريج أجيال تمتلك مهارات تؤهّلها للمنافسة في عصر تلعب التكنولوجيا فيه دورا محوريا، تكشف دراسة صادرة عن وزارة التعليم عن أن نحو 200 مدرسة حكومية تعاني جرّاء عدم وجود مختبرات علمية، وأن بعض المختبرات عبارة عن فصل دراسي لا يحتوي على أبسط الاحتياجات اللازمة لإجراء التجارب العلمية، وأن هناك عجزا في اختصاصيي المختبر يقدّر بنحو 400 اختصاصي!
والأمر الإيجابي في هذه الدراسة أنها صادرة عن وزارة التعليم نفسها أي أن هناك محاولات لكشف مواطن الخلل واكتشاف العيوب والثغرات، ولكن هذه الحقيقة لا تنفي أن هذا الرقم الكبير من المدارس قد شارك في تخريج آلاف التلاميذ ممن لا يعرفون عن المختبرات شيئا ولا تنفي أيضا مسؤولية الوزارة عن تصحيح هذه الأوضاع طيلة السنوات الماضية التي انشغل الجميع خلالها بالحديث عن "الرؤى" التعليمية المستقبلية الخارقة في وقت كانت فيه نحو مائتي مدرسة تعاني غياب أحد الأركان الأساسية للعملية التعليمية!!
وليس من قبيل المبالغة القول بأن غياب هذه المختبرات يفسّر إلى حد كبير هذا الارتفاع الملحوظ في معدلات إقبال خريجي الثانوية العامة على الكليات النظرية مقابل ضعف إقبالهم على دراسة علوم الطب والهندسة وغير ذلك، فتهيئة هؤلاء الطلاب للتعامل مع علوم العصر وتقنياته لم تتحقّق منذ السنوات الدراسية الأولى، وغياب المختبرات كرّس شروخا نفسية بين الطلاب والعلوم التطبيقية الحديثة، وأسهم في غرس ثقافة الحفظ والتلقين ما أفرز بالتبعية، وعلى مدار عقود وسنوات مضت، مشكلة عدم توافق مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، حيث تشير الإحصاءات إلى أن (75%) من الخريجين يصنّفون ضمن التخصّصات الأدبية والنظرية، بينما لا يتعدّى خريجو التخصّصات العلمية (23%). علما بأن البحث العلمي يعدّ قاعدة وركيزة أساسية للدول التي تنشد التقدّم الصناعي والتكنولوجي.
ربما يكون التخطيط الذي ساد وزارة التربية والتعليم خلال سنوات سابقة أحد أسباب هذه المشكلة وغيرها، ولكن هناك مشكلات أخرى مثل تضخّم حجم الإنفاق على الرواتب التي تلتهم معظم الميزانية السنوية المخصّصة للتعليم على حساب خطط التطوير والإحلال والتجديد والبحث العلمي.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى أهمية عدم الاكتفاء بتسليط الضوء على غياب المختبرات في المدارس الحكومية فقط حسبما كشفت هذه الدراسة بل ينبغي أن يمتد هذا الاهتمام ليطال المدارس الخاصة التي يتبنّى معظمها نهجا تقشفيا بالغ الخطورة لجهة تأثيراته السلبية في مخرجات العملية التعليمية، حيث تتحوّل المختبرات والمكتبات وقاعات الحاسب الآلي في كثير من المدارس الخاصة إلى "ديكور" لزوم استخراج الترخيص وإجراءات التفتيش وتصوير البرامج الدعائية وجذب أولياء الأمور، وبالتالي فإن هذه الغرف تظل خاوية ولا تفتح سوى في "المناسبات البروتوكولية" وفي أحسن الأحوال فإن التلاميذ لا يمتلكون فرصا حقيقية للاطلاع المكتبي وإجراء التجارب العلمية بل يكتفون بمراقبة الخطوات عن بعد!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية