مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت الذي تأسس منذ ما يقارب الثلاثين عاما. و الذي كان وراء تأسيس "المؤتمر القومي العربي"، و"المؤتمر القومي الإسلامي". و يدعم عديداً من الجمعيات العلمية العربية. وله علاقات مع العديد من الجامعات العربية، ويدعم بعضها بالأساتذة الزائرين وبمطبوعاته. هذا المركز، من وجهة نظري، بعض مما تبقى لنا من العصر الجميل، من روح الخمسينيات والستينيات، حيث كانت القومية العربية في أوجها، والعرب في عزة نصرهم، والقومية العربية بؤرة لحركات التحرر في العالم، وقطباً في حركة عدم الانحياز.
لقد عقدت في فاس في المغرب ندوة مهمة عن المشروع النهضوي العربي الجديد منذ أربع سنوات. وقدمت فيها أوراق رصينة وجادة من جمهرة المثقفين العرب. ثم عقدت هذا الشهر في القاهرة ندوة مصغرة لتحرير الصيغة النهائية للمشروع بأوراق جديدة دون الرجوع إلى أوراق فاس، بداية من الصفر كعادة العرب. فجاءت في معظمها أوراقاً عامة مكررة متسرعة ومتداخلة. والبعض منها مجرد فقرات مفككة يغلب عليها أسلوب الماينبغيات، التعبير عما ينبغي أن يكون، وليس تقرير ما هو كائن. كما يسود الأسلوب القطعي الذي يبدأ كثير من فقراته بحرف التوكيد والنصب "إن" وهو الأسلوب السائد أيضاً في "الميثاق" الذي أصدرته الثورة المصرية عام 1961.
ويتجه المشروع نحو الماضي أكثر مما يتجه نحو المستقبل وذلك بالمراجعة المستمرة لتجارب عصر النهضة في القرنين التاسع عشر والعشرين والحكم عليها بالفشل في معظمها. فالرجوع إلى الماضي لا يميز فقط الحركة السلفية بل كل التيارات الفكرية والقوى السياسية الأربع التي تتحكم في الشارع العربي: الإسلامية والقومية والليبرالية والماركسية. فالإسلامي يحن إلى الماضي، عصر الخلافة الراشدة. والقومي يحن إلى الماضي، الخمسينيات والستينيات حين بلغت القومية ذروتها. والليبرالي يحن إلى الماضي، ثورة 1919 في مصر، والتعددية السياسية والأحزاب والبرلمان والدستور وحرية الصحافة. والماركسي يحن إلى الماضي، الثورة الاشتراكية الكبرى في 1917، وعصر الاستقطاب والتحرر الوطني لشعوب العالم الثالث .
غلب على الصياغة الأخيرة المدخل الأيديولوجي النظري، والنمط المثالي، ووضع المبادئ العامة للفكر القومي كما تمت صياغته منذ قرن تقريبا، منذ ساطع الحصري حتى ميشيل عفلق وسعدون حمادي. وهو ما سماه أحد المشاركين مشروعا "خارج التاريخ". يستنبط الواقع من الفكر ولا يستقرئ الفكر من الواقع. يتضمن رؤية مثالية للأمة دون أن ترى واقعها.
يضع مقومات المشروع النهضوي العربي الجديد بداية بالوحدة كمثل أعلى دون رصد مشروع التجزئة الحالي الذي يهدد الأمة في عصر الهيمنة الأميركية والهجمة الحالية على الوطن العربي، وتفتيت الوطن العربي إلى فسيفساء من دول طائفية عرقية، عرب وبربر وأكراد وأفارقة وصحراويين، وسنة وشيعة ومسلمين وأقباط. فلا تريد الإمبراطورية الأميركية الجديدة أن تعود القومية العربية من الخمسينيات والستينيات لتوحد المنطقة كما فعلت في الماضي حتى لا يتكون منها قطب ثانٍ في مواجهة القطب الأول، وبعد أن ألغيت الخلافة. فلا رباط الإسلام ولا رباط العروبة مرغوب فيه.
ووضعت الديمقراطية ثانيا كتعبير عن أمل يحدو الجميع دون وصف أنواع القهر والتسلط والطغيان والقوانين المقيدة للحريات وقانون الطوارئ الذي تُعتقل طبقا له كل ألوان الطيف في المعارضة السياسية بلا تهمة أو محاكمة، وغياب التعددية السياسية وحرية تكوين الأحزاب، وحرية الصحافة وخرق حقوق الإنسان، ووضع المعتقلين السياسيين.
وتأتي التنمية المستقلة ثالثا والاعتماد على الذات. فليس العرب أقل من الهند في الاكتفاء الذاتي في الغذاء. ولا يشار إلى أوضاع التبعية الحالية، وبيع القطاع العام، وتهريب الأموال إلى الخارج على ما يعرف باسم نواب القروض، ورفع الحواجز الجمركية بدعوى توفير المواد الاستهلاكية، وفتح أبواب الاستيراد على مصراعيها حتى أصبح الاقتصاد العربي معتمدا على الغير في الغذاء والسلاح والتعليم والصحة باسم العولمة واقتصاد السوق.
والعدالة الاجتماعية رابعا باعتبارها أملا منشودا ومظهرا من مظاهر القومية التي تعني اشتراك الجميع في توزيع الثروة طبقا لشعار القوميين الوحدة والاشتراكية والحرية. ولا يوصف التفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، وازدياد الغَـني غِنى، والفقير فقرا، وارتفاع الأسعار، ورفع الدعم عن المواد الغذائية، وإلغاء لجان تقدير الإيجارات وجعل السكن طبقا للعرض والطلب.
ويأتي الاستقلال الوطني خامسا مع أنه هو العنصر الأول في أي مشروع نهضوي عربي. فلا يوجد أعز على الشعوب من الاستقلال الوطني. بل لقد حاربت الصين وفيتنام وكوبا وشعوب العالم الثالث كله من أجل التحرر الوطني لتحقيق استقلال الأوطان. والعراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير، كل هذه الأوطان تحارب من أجل الاستقلال الوطني ضد قوات الاحتلال.
ثم يأتي التجدد الحضاري سادساً دون وصف للاستقطاب الحالي بين السلفيين والعلمانيين، ودون ت