سيلفا كير: رجل دولة أم انفصالي عائد من الغابة؟


فيما لم يكد سكان جنوب السودان يجففون دموعا سالت على جنازة القائد السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان العقيد جون قرنق، وهو يُطاف بنعشه من مدينة إلى أخرى في الإقليم، وبينما كانت الخرطوم تلملم جراحها من جراء أعمال الشغب والنهب التي قام بها مواطنون جنوبيون هيجت غضبهم حادثة مصرع قرنق، وقف القائد الجديد للحركة الشعبية سيلفا كير مؤديا اليمن الدستورية بصفته نائبا أول لرئيس الجمهورية، وسط مراسيم رسمية أقيمت لهذا الغرض في الخرطوم.


وكانت الحركة الشعبية قد أعلنت في بيان أصدرته يوم الأول من أغسطس الجاري، تعيين الجنرال سيلفا كير مايارديت رئيسا لها وقائدا للجيش الشعبي خلفا لقرنق الذي قتل في حادث تحطم مروحية تابعة للرئاسة الأوغندية خلال عودته من كامبالا يوم الـ30 من يوليو المنصرم، وفي ذلك البيان الصادر عن اجتماع عقدته قيادة الحركة في مدينة نيوسايت في الجنوب، بهدف"إدارة الأزمة الوطنية"، اقترحت أيضا أن يتولى كير منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية... طبقا للدستور المؤقت ولاتفاقية السلام بين الحكومة والحركة، وإثر ذلك أصدر الرئيس عمر البشير، في الخامس من الشهر الجاري، مرسوما رئاسيا بتعيين سيلفا كير نائبا أول له ورئيسا لحكومة الجنوب خلفا لقرنق.


 لكن أسئلة أثيرت حول قدرة كير على سد الفراغ الذي خلفه الراحل قرنق، وما إذا كان مؤهلا للاضطلاع بمواجهة تحديات المرحلة القادمة! بيد أن كير الذي أصبح ممسكا بسدة القيادة داخل الحركة، لم يواجه إلى الآن منافسين أساسيين على قيادة التنظيم، وقد عين الرجل القوي رياك مشار نائبا له وأجرى بعض التغييرات على المواقع القيادية في هيكل الحركة. ويستمد كير مشروعية وجوده كقائد للحركة الشعبية، من أقدميته كنائب لقائدها الراحل جون قرنق وكقائد للجيش الشعبي لتحرير السودان بوصفه الذراع العسكرية للحركة، علاوة على أنه أحد القادة المؤسسين الأوائل للحركة والجيش معا.


ففي الستينيات كان سيلفا كير أحد الجنود الذين انشقوا عن الجيش السوداني لينضموا إلى حركة "أنانيا" المطالبة بانفصال الجنوب، ثم عاد إلى الجيش ضمن تسوية بين الرئيس جعفر النميري والمتمردين عام 1972، ليصبح فيما بعد مسؤولا عن مكتب الاستخبارات العسكرية في إقليم بحر الغزال. وحينما نشب التمرد الثاني عام 1983، وعول رؤساؤه على دوره في احتواء الكتيبة التي أعلنت انشقاقها، انضم إلى التمرد وأصبح أحد القادة الأوائل الذين شاركوا في تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، إلى جانب قرنق، وقام بجهد كبير في إنشاء قواتها العسكرية، وكان له الفضل فيما حققته من انتصارات ميدانية، وأصبح في عام 1986 نائبا لقائد الأركان ومكلفا بالعمليات في "الجيش الشعبي"، قبل أن يختاره قرنق نائبا له في قيادة الحركة عام 1997، وقائدا عسكريا لقواتها المسلحة في منطقة بحر الغزال، ليعينه رسميا نائبا لرئيس حكومة الجنوب في 16 يوليو الماضي، ومن ثم كان كير المرشح الأقوى لخلافة قرنق.


وترددت شائعات منذ عام 1998 حول خلاف بين الرجلين، ذهب بعضها إلى أن كير كان يخطط لانقلاب داخل الحركة واعتقال قائده قرنق، وفي العام التالي كادت تؤدي محاولة لإزاحة كير من قيادة الجناح العسكري إلى انقسام في صفوف الحركة لولا أن قرنق تخلى عن الفكرة. ويشكل انتماء كير إلى قبيلة الدينكا التي ينحدر منها أيضا قرنق، وهي أكبر قبائل الجنوب، عاملا آخر يعزز شعبيته، فقد نشأ وسط قبيلته في إقليم بحر الغزال حيث ولد في تاريخ غير معروف بالتحديد، وإن قيل إنه الآن في العقد السادس من عمره. والتحق كير بالمدرسة الابتدائية في قريته ثم بالثانوية في عاصمة الإقليم ليقطع دراسته وينتسب إلى الجيش كجندي صغير، ومن ثم فإنه لا يعد الآن مثقفا كبيرا، أما مقدراته السياسية فما زالت مجهولة لأن قرنق لم يسمح بأي منافسة من رجاله. لكن كير يتمتع بشعبية واسعة في الجنوب، أولا لأنه ابن الدينكا، وثانيا لأنه من المتشددين داخل الحركة، ويعد مؤيدا قويا لخيار الانفصال عن الحكومة المركزية باعتباره حلا أمثل للجنوب، وقد كشفت الولايات المتحدة مؤخرا عن إدراكها لنزعته الانفصالية، وعبرت عن عدم انزعاجها من ذلك "لأنه يمثل رأي الأغلبية في جنوب السودان"، مما يعني أن قرنق "كان وحيدا تقريبا في دعمه الوحدة"! لكن كير هو من وقع عن "الحركة الشعبية" على "اتفاقية ماشاكوس" التي أنهت الحرب الأهلية وأرست السلام في السودان ، وتولى قيادة وفد "التمرد" في عدد من مراحل التفاوض دون أن يؤدي ذلك إلى صعوبات لا توجد في غيابه!.


 وقد وصل كير باللباس المدني مساء الأربعاء الماضي إلى مطار الخرطوم التي يعود إليها للمرة الأولى منذ 22 عاما، و خيمت أجواء هادئة وشاحبة على الحفل الذي نظم الخميس الماضي لتنصيب سيلفا كير، ربما بما يتناسب مع أجواء الحداد على قرنق، أو بما يعكس أيضا شخصية كير نفسه والذي عرف بعزوفه عن الأضواء وع