لم تكن مفاجأة لمن عرف الملك عبدالله بن عبدالعزيز أن تكون أولى قراراته العفو عن الليبيين اللذين حاولا اغتياله نهاية العام 2003، ولا تلك التي أطلقت سراح المعتقلين السعوديين - عبدالله الحامد وعلي الدميني ومتروك الفالح وسعيد بن زعير - كما شملت قرارات العفو عبد الرحمن اللاحم الذي كان ينتظر المحاكمة.
أقول بأنها لم تكن مفاجأة لمن عرف الرجل وشمائله وخصاله ومروءته، فلم يسجل لنا تاريخنا السياسي أن عفا حاكم عمن حاول اغتياله، فالتاريخ يذكر بأن كل من حاول الاعتداء على الحاكم يصبح أثراً بعد عين، وغالباً ما يطال الانتقام أهل المعتدي وأقاربه من الدرجة المئة، وكل من له صلة به.
قرارات العفو التي أصدرها الملك عبدالله الأسبوع الماضي لها أكثر من دلالة، وتعني أكثر من مؤشر، وتضع على كاهل الرجل توقعات جساماً، وسوف تعلق آمال كثيرة في قرارات وسياسات قادمة ستقدم عليها المملكة تحت قيادة الملك الجديد.
الدلالة الأولى هي أن جهداً داخلياً سوف يركز على قضايا أُشبعت جدلاً ونقاشاً في الأوساط المثقفة في المملكة، ومنها الإرهاب، ومسألة المرأة، ومشاركتها في الانتخابات وقيادتها للسيارة، إضافة إلى ملفات الاقتصاد الداخلي في ظل الوفرة المالية نتيجة ارتفاع أسعار البترول، والتعامل مع مشكلة البطالة، وخلق فرص العمل للشباب السعودي.
أما على الصعيد الخارجي، فمن المتوقع أن يتعزز دور المملكة في رص الصف العربي الذي أصابته الشروخ والشقوق والفرقة، وقد استبق الملك القمة العربية المرتقبة بإزالة إحدى عقباتها المتمثلة بالتوتر في العلاقة مع ليبيا، والتي تقول مصادر عديدة إن نظامها يقف وراء محاولة الاغتيال.
ومن المتوقع أن يشغل الهم العراقي حيزاً كبيراً من الجهد السعودي في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، ذلك أن للمملكة ودول الخليج - بل والعرب جميعاً - مصلحة مهمة في أن يتوقف نزيف الجرح العراقي الغائر، ومن غير الممكن أن يتم ذلك إلا بدور عربي واضح في الحد من التأثير الإيراني على الساحة العراقية من جهة - وفي حث الأطراف العراقية المتباعدة على ضرورة التقارب والتراص، قبل فوات الأوان، وللملك عبدالله احترام في كافة الأوساط العربية - بما فيها العراقية، مما يجعل للمملكة دورا أساسيا في جمع شمل الأطراف العراقية المتناحرة.
ومن الممكن أن تلعب المملكة دوراً في عقلنة الأزمة الإيرانية - الدولية حول المفاعل النووي الإيراني، وأن تكون عامل تهدئة لنزع فتيل التوتر بما يحقق الاستقرار للمنطقة، فاستمرار التوتر الإيراني- الدولي حول مفاعل إيران النووي، يعني استمراراً لتوتر وصداع لا تحتاجه المنطقة.
على الصعيد الفلسطيني، فلن تتوانى المملكة عن دعم الفلسطينيين، شريطة أن يتفق الفلسطينيون فيما بينهم على طريقة إدارة أمورهم في غزة والضفة بروح التعاون والمسؤولية، وليس بعقلية التنافس على تعزيز المواقع بين القوى الدينية والمدنية في الشارع الفلسطيني، وخصوصاً في أعقاب الانسحاب الفلسطيني من غزة، إذ تشير بعض التقارير إلى أن في الشارع الفلسطيني منْ يسعى إلى تحويل غزة إلى "حارة كل من إيدو إلو" بعد الانسحاب الإسرائيلي، لتتحول إلى فوضى ومرتع للمسلحين المنفلتين.
قدرُ المملكة أن تلعب دوراً محورياً في إعادة الاعتبار للقرار العربي، ولصورة الإنسان العربي، وأن تفتح قنوات جديدة في العلاقة مع الغرب - وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية - التي تأثرت علاقة المملكة بها تأثراً كبيراً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
العفو الملكي الذي صدر الأسبوع الماضي، يتجاوز العفو بحد ذاته، ويرسل رسائل بالتفاؤل، ودلالات بآمال وتطلعات جديدة في المملكة العربية السعودية وخارجها.