في الوقت الذي تجري فيه التحضيرات في الولايات المتحدة لقرار بسحب عدد من أفراد القوات الأميركية من العراق، كما سربت المعلومات وسائل إعلام أميركية متعددة، إضافة إلى ما تم تسريبه من لندن حول القوات البريطانية أيضاً والتفكير بسحب قسم منها، صدرت مواقف جديدة بريطانية وأميركية تعتبر أن وجود قوات الاحتلال سبب من أسباب الإرهاب، أو عنصر مساعد في نموه، وأن سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق مرفوضة. فوزير الخارجية البريطانية "جاك سترو" قال منذ أيام: "إن وجود القوات البريطانية يساهم في التسبب بالإرهاب" وذلك بعد العمليات التي شهدتها العاصمة البريطانية لندن. وفي أميركا نشرت نتائج آخر استطلاع للرأي أفادت أن "55% من الأميركيين يرفضون سياسة بوش العراقية"، وأن "قلة قليلة من الأميركيين لا تشكك في نزاهته". أما مجلة "فورين أفيرز" المتخصصة فقد نشرت دراسة أشارت فيها إلى أنه "لا أمل لأميركا بالانتصار في العراق إلا بتغيير الاستراتيجية لمواجهة مقاومة فاعلة". كيف يمكن التغيير وما هو المطلوب؟ تقول الدراسة إنه "خلال حرب فيتنام ركزت الاستراتيجية الأميركية على قتل المتمردين على حساب الفوز بالقلوب والعقول. فشلت استراتيجية "ابحث ودمر" هذه، لكنها لا تزال تحظى بجاذبية شديدة لدى الجيش الأميركي". وتضيف الدراسة، أنه لتجنب تجربتي لبنان والانسحاب الأميركي منه عام 83، والصومال والفشل فيه عام 94، لابد من استراتيجية تعتمد تحولاً مكلفاً في الاستراتيجية العسكرية الأميركية تتطلب التزاماً طويل الأمد ومعدلاً أكبر من القتلى الأميركيين. وهي تقضي بكسب قلوب العراقيين وعقولهم عبر تركيز الإنفاق وإعادة جهود البناء وفرض حكم القانون على المناطق المسالمة في العراق، الشمال الكردي والجنوب الشيعي! وهذه المناطق يمكن أن تتوسع كما تفعل بقعة النفط. أما المناطق السنية، فستشهد دفعاً لهذه الاستراتيجية وجوداً أميركياً شبه معدوم، إلى أن يصبح باقي العراق آمناً عندما تبدأ القوات الأميركية والعراقية تدريجياً بشن هجمات في هذه المنطقة! إلا أن كلفة الاستراتيجية هذه ستكون مئات المليارات من الدولارات وقائمة أكبر من الإصابات الأميركية"!
وهذا يعني وضع الأميركيين فعلياً أمام خيارين: إما الفشل السريع، وإما الفشل البعيد المدى ولكن بكلفة أكبر، إلا إذا كان الرهان على تنمية المناطق الأخرى يمكن اعتباره أساساً في استمالة أهلها!! ولكن في هذا التفكير إقرار بفشل السياسة الأميركية في إعادة الإعمار والأمن حتى في المناطق غير المنتفضة في وجه قوات الاحتلال وإقرار بمسؤولية الإدارة الأميركية عن ذلك. كذلك فإن هذه الاستراتيجية تضع العراقيين أمام خيارين أيضاً، إما انتظار التأديب والقتل في مناطق معينة، والإعمار والإنماء الطويل المدى في مناطق أخرى وبالتالي المقاومة، وإما الرضوخ لأن القوات الأميركية لن تنسحب من بلادهم حتى ولو كلفها الأمر خسائر إضافية. المهم هو ضرب المقاومة.
في هذا المجال يؤكد الرئيس الأميركي بوش أن الحرب على الإرهاب ستستمر، الشعار الذي لا يعتمده رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال "ريتشارد مايرز" لأن الإرهاب هو مجرد وسيلة يلجأ اليها "المتطرفون الذين يستخدمون العنف". كذلك فإن قائد قوات المارينز "والاس غريغسون"، يعتبر أن العدو "هو حركة تمرد شعبية تختلف عن سابقاتها بأنها تعتمد تقنيات جديدة، وقوتها الدافعة أيديولوجية في الدرجة الأولى "أصولية متطرفة" ولذلك فإن على أميركا أن تدرك أن مركز الجاذبية في هذه الحرب هي أكثرية المسلمين في العالم المتورطين مباشرة أو على نحو غير مباشر في هذه الحرب وتالياً فإن كسب القلوب والعقول هو أهم من اعتقال الناس أو قتلهم".
كيف يمكن كسب العقول والقلوب؟ أبالقتل المستمر؟ أم بالاعلان عن بقاء الاحتلال لفترة طويلة كما قال "مايرز" منذ أيام: "إن أحداً لا يعرف متى ستكون القوات العراقية قادرة على تسلم مهماتها في القضاء على المتمردين، وإن انتشار القوات الأميركية في العراق يمكن أن يستمر لسنوات"!
وكيف يمكن كسب العقول والقلوب في الحرب المفتوحة في العراق، وتهديد بعض دول الجوار والتضييق عليها، وحماية إسرائيل في المقابل وإدارة الظهر لكل قضايا العرب والمسلمين؟ أو في ظل محاولات التمييز بين مناطق وأخرى، أو تحريض مناطق ضد أخرى وطوائف ومذاهب ضد أخرى إلى حد أن كثيرين بدأوا يقتنعون بأن المشروع الأميركي ليس مشروع حفاظ على وحدة العراق وإنتاج ديمقراطية فيه، بل هو مشروع تفتيت وفوضى وقتل وتهديد لدول المنطقة وسيطرة على الثروات. ولذلك يرى البعض أن قوات الاحتلال التي تعتقد أنها بإدارتها لهذا المشروع في العراق ستنجح إلا أن النتائج على الأرض أثبتت أن خسائرها كبيرة، وأن النقاش الذي يدور في أميركا سببه الفعلي هو ازدياد حجم الخسائر على الأرض العراقية، إضافة إلى الاتهامات المتكررة والمتنوعة التي توجه إلى الإدارة الأميركية في إدارة أموال الأميركيين في العراق.
لا الجنوب ينظر إليه الأميركيون بارتياح، و