عندما بدأت الكتابة حول موضوع الإرهاب في المقالات السابقة، والتي حملت اسم "اللغز" توقعت أن تأتيني الحلول من كل مكان إلا من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا. نعم لقد كنت في أوروبا خلال الفترة الماضية للقرب من موقع الحدث كما يقال، وقد تفاجأت عندما كنت عائداً ليلا إلى مقر إقامتي مستقلا المترو في إيطاليا برؤية الشعارات الإسلامية مكتوبة على جدار إحدى المحطات، صراحة شعرت بشيء من الرعب كأن المكتوب مثل: النصر للإسلام، الله أكبر، وغير ذلك يقول للناس بصورة غير مباشرة : انتبهوا لقد وصل الإرهاب إلى هنا.
لقد وضع توني بلير يده على الجرح وهو يحلل ما حدث في المملكة المتحدة، نعم لقد وفق الرجل بحنكته السياسية في قيادة بلده في تلك الأزمة، وأتمنى له التوفيق في حل الأزمة على الصعيد العالمي، حيث أثبت الحل الذي تبناه غيره الفشل.
نعم فقد تعالت الأصوات في أوروبا وحتى الولايات المتحدة لمراجعة ما تم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المؤسفة في أميركا، لقد كان الحل الأميركي متمثلا في الحرب التي أدت إلى المزيد من الدماء حول الكرة الأرضية، لكن توني بلير كان حازماً عندما قال في أكثر من موقع إنه لن يترك للإرهابيين مساحة "إنش" واحد من العذر، لكنه في الوقت نفسه قال إن هذه الأحداث تدفعنا للبحث عن الجذور والتي تمتد لعقود من الزمن.
توقفت كثيراً مع كلمة جذور الإرهاب التي يتكلم عنها بلير، وقد أعجبتني الفكرة، وكأنه يقول لي إن الإجابة على مقالات اللغز التي ذكرتها لا تكمن في البحث عن أسباب الأزمات التي دفعت الناس لهذه الجرائم، فهكذا يفكر البسطاء من الناس، لكن العقلاء منهم يبحثون في الجذور. إن للإرهاب جذوراً، كما للشجرة جذور تمدها بالحياة، فلو قطعت أجزاء من الشجرة أو حاولت قتلها بقطع الجزء العلوي منها فإنها ستعود للحياة من جديد بعد فترة من الزمن، كذلك الإرهاب لو حاول البعض إرجاعه إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط أو للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فإنه يحلل في حقيقة الأمر الوضع بصورته السطحية لذلك لن تحل القضية بمثل هذه الأساليب بل إن الإرهاب سيتحول من الطائرات إلى القطارات ومنها ربما إلى ملاعب كرة القدم، وغيرها من التجمعات البشرية في المجتمعات المدنية الراقية.
لقد أحدثت كلمة رئيس وزراء بريطانيا هزة عقلية كبيرة وأنا أسمعها على الهواء مباشرة، وأتمنى أن تقود إلى نفس الشعور لدى أصحاب القرار في وطننا العربي. عند الحديث عن الجذور فإن الأمر يقودنا صراحة إلى تاريخ سقوط الدولة العثمانية عندما تمزقت أوصال الوطن العربي وتمت السيطرة عليه من قبل الدول المختلفة وكان ما كان من آثار تركها المستعمر في الوطن الكبير، في الفترة التي سبقت خروج المستعمر من الوطن كان الناس في غفلة كبيرة عما يجري من حولهم حتى صارت الثورات العربية التي درسناها في كتب التاريخ. ومع تلك الثورات بدأ الصراع الداخلي في الوطن الكبير بين الثوار من جهة ومعهم بعض القوى المستعمرة سابقا وبين الشعب العربي الكبير والذي كان يحلم بواقع عربي أفضل بعد خروج المستعمر. ومن بين هذا الصراع كان هناك علم يشاع بين الناس هذا العلم أدى إلى رغبات في تحول الثورات العربية عن مناهجها إلى ما يريده عامة الشعب من سعة في الرزق وحرية للكلمة ومشاركة في خيرات الدول، نجحت بعض الدول العربية في التعامل مع هذه المطالب بحنان الأب على أهله، وفي المقابل تعاملت الدول الثورية مع شعوبها بلغة النار في مقابل الكلمة والسجن في مقابل الحرية، هذه العمليات كانت لها ردود فعل مختلفة لكن من أبرزها الفكر الذي عرفته المكتبة الإسلامية مثل "ردة ولا أبو بكر لها" و"جاهلية القرن العشرين"، وغير تلك من الكتابات التي خرجت من بيئة غير سوية سميتها في أحد مقالاتي كهف الإرهاب، ونتابع المقال مع حل اللغز.