يبدو أن السياسيين ووسائل الإعلام الأميركية مهتمون بشكل لافت بأصوات الناخبين من أصول لاتينية. فقد حرص رؤساء الحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي" على مخاطبة الجمعية القومية للمسؤولين المنتخبين من أصول لاتينية في مؤتمرها السنوي الذي عقد خلال الشهر الماضي في بورتوريكو. وفي وقت سابق ظهر الرئيس بوش ليلقي كلمته في اجتماع لجمعية مسيحية لاتينية عقد في يونيو الماضي. كما أن اللغط الدائر حاليا حول المرشح القادم للمحكمة العليا يرتكز حول الإسم اللاتيني الذي سيتم اختياره للمنصب. وعلى صعيد متصل قامت اللجنة "الوطنية الديمقراطية" في الكونجرس بتمويل إعلان من 60 ثانية على إحدى محطات الراديو موجه إلى ذوي الأصول اللاتينية باللغة الإسبانية، وذلك لتعبئة الناخبين ضد مشروع بوش القاضي بتعديل نظام التأمين الاجتماعي. ويقول ذلك الإعلان بالإسبانية "اتصل بنائبك في الكونجرس وقل له أن يحجم عن خصخصة التأمين الاجتماعي، لأن ذلك سيهدد مستقبل العائلات والمتقاعدين من اللاتينيين". أما البيت الأبيض فقد قام من جهته بابتعاث المكسيكية الأميركية آنا إسكوبيدو جابرال لإقناع الناخبين الناطقين بالإسبانية بمشروع بوش حول التأمين الاجتماعي.
غير أن كل تلك المحاولات الدؤوبة والجهود الحثيثة التي تجري وراء الكواليس لخطب ود اللاتينيين تعزى بالأساس إلى الأصوات اللاتينية التي قفزت في انتخابات نوفمبر الأخيرة إلى 23% بالمقارنة مع اقتراع سنة 2000. وهو ما تجاوز أصوات البيض بما يقارب الضعف، وذلك بالرغم من الإقبال الكثيف للبيض على صناديق الاقتراع خلال الانتخابات. والمنطقي وفقا لما سبق ذكره أن تتم الإشارة إلى اللاتينيين على أنهم "العملاق النائم" بالنظر إلى قوته الديموغرافية التي ستحدث تغييرات هائلة في المشهد السياسي الأميركي. غير أن السكان اللاتينيين ليسوا بتلك القوة التي يحاول البعض نسبتها إليهم، حيث لم يؤد الارتفاع في حجمهم داخل الولايات المتحدة إلى ازدياد متواز في نفوذهم السياسي.
وللتأكد من ذلك ما عليكم إلا أن تقارنوا بين المعلومات التالية: فقد أظهرت نتائج الإحصاء الذي تصدرت عناوين الصحف الأسبوع الماضي أن اللاتينيين لوحدهم يشكلون نصف الزيادة السكانية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الأربع سنوات الأخيرة. غير أن هناك وثيقة أخرى أقل رواجا تشير إلى أن اللاتينيين لم يشكلوا سوى عشر الزيادة الإجمالية في نسبة الانتخابات الأخيرة في 2004 مقارنة مع انتخابات عام 2000. وهذا ما يدعونا للاستنتاج بأن النمو الكبير للسكان اللاتينيين لا يتناسب أبدا مع قوتهم الانتخابية، إذ لا يشكل الناخب اللاتيني سوى واحد من بين أربعة أفراد ينتمون إلى المجموعة الناطقة بالإسبانية. فليس غريبا والحال هذه أن يركز السياسيون اهتمامهم في حملاتهم الانتخابية على المجموعات التقليدية كالنقابات العمالية والكنائس والمجموعات العرقية الأخرى التي لها تأثير أكبر على الناخبين وتستطيع دفعهم إلى صناديق الاقتراع.
وبالرغم من المكاسب التي نالها اللاتينيون بوصولهم إلى بعض مواقع السلطة عن طريق الانتخابات، إلا أن تقدمهم في هذا المضمار مازالت تعوزه السرعة الكافية لتحقيق نفوذ حقيقي. فلم يتم انتخاب العضوين اللاتينيين الوحيدين في مجلس الشيوخ إلا قبل سنتين، كما أن عددهم في مجلس النواب بالكاد يصل 27 نائبا. وحتى هؤلاء الذين ترقوا إلى مواقع بارزة على الساحة القومية لم يتقلدوا تلك المناصب إلا بمباركة من السياسيين البيض وبدعم منهم. ولعل السبب وراء فشل السكان اللاتينيين في تحويل قوتهم الديموغرافية إلى نفوذ سياسي فعال في الساحة السياسية الأميركية هو أن العديد منهم ليسوا مواطنين أميركيين. فحوالي ثلث الزيادة التي شهدها السكان اللاتينيون في أميركا في الفترة ما بين 2000 و2004 هي ناتجة عن التدفق الكبير في المهاجرين على الولايات المتحدة الذين لا يستطيعون التصويت. كما أن السلطات تعتبر العديد منهم في وضعية غير شرعية مما يجعلهم خارج دائرة الاقتراع. أما الذين يعملون بصفة شرعية وقدموا طلبات الحصول على الجنسية فيجدون أنفسهم في وضعية صعبة خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث وضعت العديد من القيود الأمنية للحصول على الجنسية. لذا ليس من المتوقع أن ينالوا حق التصويت في المستقبل المنظور.
ويرجع السبب الثاني وراء عدم بروز التأثير السياسي لذوي الأصول اللاتينية إلى ارتفاع نسبة الشريحة السكانية التي لم تبلغ السن القانوني للتصويت، حيث إن ثلث النمو السكاني يطال فئة اليافعين الذين لم يبلغوا 18 سنة، وهي السن القانونية للتصويت في أميركا. وبالرغم من أن الأغلبية الساحقة لتلك الفئة هم أميركيون، إلا أنه مازال أمامهم وقت طويل قبل أن يصبحوا مؤهلين للاقتراع. وتظهر المفارقة الديموغرافية على اللاتينيين بشكل أوضح عند مقارنتهم بالسود في أميركا. فبالرغم من أن السكان اللاتينيين يفوقون السود بخمسة ملايين نسمة، إلا أنه في انتخابات 2004 فاق عدد السود المؤهلين للاقتراع اللاتينيين بـ 7.5 مليون ناخ