تعود الكوميديا المعروفة بالتحقيق في برنامج "النفط مقابل الغذاء" للعرض مجدداً على المسرح هذا الأسبوع. وهذه الكوميديا تبدو الآن أكثر سخافة وإحراجا لكبير المحققين "بول فولكر"، وللذين يقفون وراءه داخل حكومة الولايات المتحدة الأميركية، مقارنة بما كان عليه الحال عندما ظهرت للمرة الأولى العام الماضي.
فالمحقق "بول فولكر" الذي شغل في السابق منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، والذي أنفق حتى الآن 60 مليون دولار أميركي على مدار عام كامل أمضاه في التحقيق في القضية، يخرج علينا الآن ليقول لنا إن "بينون سيفان" نائب السكرتير العام للأمم المتحدة القبرصي الجنسية، والذي أدار مشروع "النفط مقابل الغذاء" التابع للأمم المتحدة، ويتحكم في أموال تبلغ قيمتها 64 بليون دولار( نعم 64 بليون دولار) "ربما"، ولا حظوا هنا كلمة "ربما"، يكون متهماً بتقاضي رشوة قيمتها 160 ألف دولار!
هل هذا هو كل ما هنالك؟ ولماذا يكتفي الرجل بتقاضي 160 ألف دولار في صورة رشوة، طالما أنه كان يتحكم في برنامج يبلغ حجم معاملاته 64 بليون دولار؟ وأين الدليل على ذلك؟ هل هذا هو كل ما توصل إليه السيد "فولكر" بعد عام كامل من التحقيق، وبعد إنفاق كل هذا القدر من الأموال.
والأمر الأكثر إثارة للسخرية هو أن السيد "فولكر" أعلن أيضا أن هناك موظفا آخر من موظفي الأمم المتحدة هو "اليكسندر ياكوفليف" الذي شغل في السابق منصب مسؤول المشتريات في الأمم المتحدة، والذي لم تكن له أي علاقة بالبرنامج قد تقاضى رشاوى تزيد قيمتها على 950 ألف دولار من المقاولين. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو هل هذا الرجل ليس له علاقة بالبرنامج حقاً كما جاء في نتيجة التحقيق. وإذا لم تكن له أي علاقة، فلماذا تم ذكر اسمه في الأصل؟
إن وظيفة السيد "فولكر" هي التحقيق في برنامج "النفط مقابل الغذاء"، ولكن ما حدث هو أنه لم يقم هو وأعضاء فريقه البالغ عددهم 35 فردا، وبعد إنفاق كل هذا القدر من الأموال، والحصول على كل تلك الشهرة وعقد كل تلك المؤتمرات الصحفية، بالإمساك بأي أحد. وكل ما خرجوا به بعد أن سمعنا أن هناك بلايين الدولارات قد سرقت هو مجرد "اتهام" وليس "دليلا" على أن أحد مسؤولي الأمم المتحدة "ربما" يكون قد تقاضى 160 ألف دولار على هيئة رشاوى.
وعلينا أن ننتظر بعد ذلك كي نرى ما إذا كانوا سيكونون قادرين على مجرد إثبات أن السيد "سيفان" قد تقاضى أي رشاوى من الأصل. ولكن الشيء الواضح تمام الوضوح هو أن اللجنة قد شغلت نفسها بتعقب "سيفان"، في حين أن كل ما نعرفه هو أن نجل السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان، قد اعترف أنه قد حصّل ما يزيد عن 400 ألف دولار في صورة أتعاب من برنامج "النفط مقابل الغذاء". ومع ذلك لم يتم التحقيق لا مع السكرتير العام للأمم المتحدة المعروف بأنه صديق للسيد "فولكر"، ولا مع ابنه "كوجو"!.
بالإضافة إلى ذلك قدمت لنا اللجنة فصلا جديدا من مسرحيتها الكوميدية السخيفة وذلك عندما اتهمت السيد "سيفان" بالحصول على تلك الرشاوى من شركة في جنيف للتجارة اسمها "شركة أفريقيا والشرق الأوسط للبترول". وهذه الشركة مملوكة لسويسري من أصل مصري يدعى "فخري عبد النور" الذي تصادف أنه يمت بصلة قرابة لبطرس بطرس غالي السكرتير العام السابق للأمم المتحدة الذي تمت إزاحته من منصبه تحت ضغط أميركي لمعارضته لإسرائيل وللحرب في العراق.
وعلى الرغم من أن اللجنة لا تمتلك تحت يديها شيئا ضد بطرس غالي فإنها شعرت بأنه ليس هناك على الإطلاق ما يمنع من ذكر اسمه.. لماذا؟ لا ندري ولعل ما قامت به اللجنة في هذا السياق يندرج تحت ما يعرف بـ"الذنب بالتبعية" أي طالما أن أحد أقرباء بطرس غالي كان مذنبا فإن بطرس غالي لابد أن يكون مذنبا هو الآخر، أو ربما يندرج أيضا تحت حملات التشويه التي دأب المحافظون الجدد على شنها ضد من يختلف معهم في الآراء.
والشيء الذي يتساوى مع ذلك في السخف، هو أن تلك الشركة كانت تتعامل مع العراق على مدار الثلاثين عاما الأخيرة،أي قبل حرب الخليج الأولى والثانية، وقبل تولي بطرس غالي منصب السكرتير العام للأمم المتحدة بل وقبل أن يوجد برنامج النفط مقابل الغذاء ذاته. وعلى هذا الأساس فإنه - الشركة- لم تكن بحاجة إلى وسيط للاتصال بالعراق لشراء نفطه. وينطبق نفس الشيء على المئات من الشركات النفطية بما فيها شركات مثل "إيكسون" و"توتال" و"لك أويل"، بل وفي الحقيقة جميع المشروعات الكبيرة والصغيرة التي كانت تتعامل مع العراق، والتي لم تكن بحاجة إلى أن يقوم السيد "بينون سيفان" بالتدخل بالنيابة عنها.
ولو كانت تلك الشركات والمشروعات قد فعلت ذلك، لكان الرجل قد أصبح بليونيرا وليس مجرد رجل يكتفي بتقاضي رشاوى لا تزيد عن 160 ألف دولار كما جاء في تقرير لجنة فولكر.
وهذه اللجنة التي لا تمتلك أي تفويض قانوني يخولها إدانة أي أحد تم تعيينها من قبل كوفي عنان. وكل ما قامت به حتى الآن هو تسريب بعض الأخبار، وإعلان بعض الأسماء، وإحراج الأمم المتحدة، مع إبقاء السيد كوفي ع