من بين الأمور الشاقة التي تواجه الأطباء في دولة الإمارات أنهم يتعاملون مع أناس من مشارب وجنسيات متعددة، وبالتالي فالمسألة تكاد تحتاج إلى خبرات طبية موسوعية في تشخيص الأمراض، انطلاقا من أن حركة سفر العمالة الوافدة ودخولها وخروجها من الدولة وإليها عالية جدا، ما قد يجعل من الصعب التوصل إلى تشخيص دقيق وسريع للحالات المرضية التي تعرض على هؤلاء الأطباء، خصوصا إذا كان الأمر يتعلّق بأمراض متوطنة في مناطق عدة، أي أنها من الأمراض البيئية في مناطق أخرى من العالم. وهذا الحديث لا ينفي بالطبع أن العجز في التشخيص يعود أيضا، وفي حالات كثيرة إلى أسباب ومبررات أخرى ربما تتعلّق بمستوى التأهيل العلمي والعملي للطبيب، أو بفلسفة أداء الخدمة الطبية في القطاع الخاص وما يرتبط بذلك من تركيز على جني الأرباح من دون تقديم خدمة طبية مناسبة.
ومناسبة هذا الحديث ما لوحظ من تضارب واضح فيما نشر من تقارير وأخبار أمس حول انتشار "فيروس" معوي وصفته بأنه "مجهول الهوية" وغير محدّد علميا يصيب الأطفال، فإحدى الصحف المحلية أكدت انتشار عدوى هذا الفيروس الغامض في "معظم مدن وإمارات الدولة" وأن المستشفيات والعيادات الخاصة سجلت ورود حالات عدة مصابة بالفيروس خلال الأيام العشرة الماضية. وفي مقابل هذه المعلومات، نفت وزارة الصحة رسميا في صحيفة محلية أخرى، استقبال أي إصابات بفيروس غامض في مستشفياتها. وقالت الوزارة نقلا عن المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة في دول مجلس التعاون، والذي نسب بدوره الكلام إلى مسؤول صحي آخر، إن ما أثير بشأن انتشار الإصابات بالفيروس الغامض في إحدى دول المجلس "مجرد شائعات"!!
من الوارد -علميا- أن يكون الفيروس المشار إليه "مجهولا" في ضوء التغيّر والتحوّل والتمحور المستمر الذي يميّز الفيروسات، ولكن هذا التضارب والتشويش في الأخبار الطبية يصعب تقبّله، لا سيّما أن الجمهور اعتاد إخضاع أي بيانات أو تصريحات رسمية إلى نظرية "المؤامرة"، وبالتالي فإن نتيجة "التفسير الشعبي" ربما لا تكون في مصلحة وزارة الصحة. والمؤكد أن تحرّك السلطات الصحية لتطويق أي مخاوف صحية واستباق أي شائعات محتملة، أمر إيجابي، ولكن المطلوب ليس فقط بيانات النفي ولكن أيضا مزيد من الإجراءات الرقابية الصحية، خصوصا بعد إعلان منظمة الصحة العالمية عن وجود مرض "الكوليرا" في إيران وانتقاله إليها عبر مسافرين من دول أخرى منها أفغانستان مثلا، ما يعني أن المسألة ليست بحاجة إلى تباطؤ أو تهوين ولا أيضا تهويل.
وبعيدا عن إثارة الهلع والقلق، فإن الإمارات التي باتت محط أنظار العالم بحكم إنجازاتها في المجالات كافة، تتطلّب من الجميع مزيدا من اليقظة والوعي الصحي، خصوصا أننا نعيش فترات عودة المسافرين مع قرب انتهاء موسم الإجازات والعطلات، حيث تتزايد فرص السفر والتنقّل، وحيث تتزايد احتمالات حدوث لبس أو خلط في التشخيص الصحي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية