تدعو "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية السابقة في الولايات المتحدة إلى تبني الحذر في تعامل الولايات المتحدة مع العرب، خصوصاً في مسألة الإصلاحات أو السير نحو الديمقراطية، وفهم تركيبة العالم العربي المعقّدة.
ولعلها -الوزيرة- تستشعر ما يجري في بعض الدول العربية من حيث تعامل الحكومات مع الشعوب، وضرورة أن تمثل الحكومة كل شرائح المجتمع، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن بعض الحكومات لا تمثل كل شرائح المجتمع. ولقد أكدت "أولبرايت" في مقال لها في "واشنطن بوست" يوم 8/6/2005 على أهمية أن "تستعمل واشنطن نفوذها لتحث هذه الدول على الانفتاح وتدعم مشاركة المجموعات أو الأحزاب التي تتقيد بقواعد الديمقراطية وتعزف عن العنف"... لتصل إلى القول: "وعلى الإدارة الأميركية التشديد على تمثيل الأقليات في الحكومات، وإيلاء هذا التمثيل اهتماماً واضحاً".
قضية التمثيل في الانتخابات قضية محورية في العالم العربي، إذ أن كثيراً من الأقليات، التي تعاملها الحكومات معاملة أدنى أو "أحقر" من الآخرين، تقاطع الانتخابات ولا يكون لها تمثيل في المجالس التي تسنّ التشريعات، وبالتالي تكون حياة هذه الأقليات مهددة بالإهمال وعدم الاهتمام، ومستقبلها بيد المجهول.
ولكن هل يجوز أن تتدخل الولايات المتحدة في شؤون الدول العربية وتطالبها بتعديل قوانينها -التي وضعتها لحفظ مصالحها وأمنها الإقليمي- من أجل بعض الأقليات التي تسبب لها صداعاً سياسياً واجتماعياً، وعبئاً مالياً؟
وهل ستتجاوب هذه الدول -التي تعاني من وجود أقليات ولو من نماذج محددة - مع دعوات -أو لنَقُلْ- أوامر الولايات المتحدة فتغير قوانينها وبالتالي تتحمل المزيد من المسؤوليات تجاه الأقليات -والتي غالباً لديها تطلعات مستقبلية أو تتلقى دعماً إقليمياً- ما يجعل الحكومات تتوجس منها؟
وإذا كانت قضية الأقليات من القضايا المؤرقة للعديد من الأنظمة في العالم، وبسبب هذه الأقليات قامت حروب ونزاعات حدودية وعسكرية ومطالبات، ويمكن تمثل ذلك في كشمير وشمال العراق والأقباط في مصر، فإن الأقليات في دول الخليج العربية تتمثل في ذوي الأصول الإيرانية أو الأفريقية في المنطقة، وكذلك مزدوجي الجنسية، أو فئة البدون في النموذج الكويتي، والشيعة في بعض مناطق المملكة العربية السعودية والذين يرفض التاريخ والعرف اعتبارهم أقلية. لكن السياسة كانت لها وجهة نظر أخرى، ومن النماذج أيضاً العرب في الساحل الإيراني وفي المحمرة.
وإذا كانت "أولبرايت" قد حددت الطريق الصحيح نحو الديمقراطية العربية في المقال المذكور، فإن واقع الحال في الدول العربية يختلف عن مثاليات الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة:
أولاً: إن أغلب الحكومات التي تمسك بزمام الأمور في العالم العربي وصلت عبر الدبابة وليس عبر صناديق الاقتراع.
ثانياً: إن تمسك الحكام بالعروش جاء وكأنه هبة إلهية لا يمكن تغييرها، أو الاقتراب منها، وإن الحاكم ظلُّ الله في أرضه.
ثالثاً: إن النظام الموجود لا يريد وصول نظام آخر، حتى وإن كان عبر صناديق الاقتراع، لذلك لجأت بعض الأنظمة إلى حظر الأحزاب، وتقنين عملية الانتخاب بحيث لا يفوز إلا ممثل الحزب الحاكم؟ أي لا يفوز إلا الرئيس، ولو ظل على كرسي الحكم ثلاثين عاماً.
رابعاً: إن بعض الأنظمة يستخدم الإعلام لتوطيد أركانه، كما يستخدم القوة. لذلك نجد حشو عقول الجماهير بالإعلام المضلل ونجد أيضاً حشو السجون بالمطالبين بالتغيير أو الإصلاحات.
خامساً: إن مصطلح "التغيير من الداخل" مشجبٌ نظامي -نسبة إلى نظام-، لا يمكن قبوله ضمن إطار شرعنة الديمقراطية وتطبيقها التطبيق الصحيح، إذ لا توجد ديمقراطية من الخارج، أو تلك الأصلية من الداخل! فإن الديمقراطية واحدة لا تتجزأ، ولا يجوز تفصيلها على حجم الجغرافيا ونوعية التاريخ أو الجينات أو البيولوجيا.
سادساً: معظم الدعوات النظامية لإرساء نظام ديمقراطي حقيقي في الوطن العربي تأتي من تحت إبط الحاكم، وعليه فإن هذه الأشكال من الديمقراطية التي تأتي كهباتٍ أو "كرامات" من الحاكم لا تعيش ولا تقتنع بها الشعوب.
سابعاً: دوماً تعمل الدول أو الأنظمة على تدعيم بقائها حتى وإن جاء ذلك عبر صناديق الاقتراع. ولقد شهد لنا التاريخ قيام بعض الدول بتجنيس مواطنين أجانب كي يعتدل لصالحها ميزان أو مؤشر الاقتراع.
ثامناً: لا نعتقد أن الولايات المتحدة، مهما أعلنت عن تأييدها لحقوق الإنسان والأقليات، سوف تتدخل من أجل خمسين أو مئة ألف من الأقليات في بلدان تجمعها معها أواصر صداقة وصفقات سلاح ومعاهدات أمنية واستراتيجية. ولا يمكن أن تغامر الولايات المتحدة بضمان تدفق النفط إلى ولاياتها من أجل عيون بعض الأقليات التي تُحكِم الأنظمة السيطرة عليها وإخراسها.
لذلك كله، فإن دعوة وزيرة الخارجية السابقة لضرورة وأهمية التفات الولايات المتحدة للأقليات في تطبيق العملية الديمقراطية في العالم العربي جاءت متأخرة جداً، إذ لو كانت الوزيرة في منصبها لكانت أسمعتنا كلاماً آخر يتناسب مع دبلوماسية الولايات ا