نقد نظم الحكم العربية بأشكالها المختلفة مشروع بل ضروري لتحقيق التقدم الذي نريده لبلادنا ومجتمعاتنا. فالمعلومات والإحصاءات تقول إن عالمنا العربي هو إحدى أكثر مناطق العالم تخلفاً الآن، وإن قطار التقدم قد يفوته إذا لم يسرع للحاق به. غير أن هذا النقد لا يؤتي ثماره إلا إذا كان موضوعياً ومنهجياً يقوم على معايير موحدة لا ازدواج فيها ولا انحياز. هذا النوع من النقد لا يحفل بشكل نظام الحكم في المقام الأول، وهل هو ملكي أم جمهوري، رئاسي أم برلماني، بمقدار ما يهتم بمستوى التطور في هذا النظام وتقويم أدائه في مختلف المجالات، وخصوصاً كيفية تصرفه في موارد الدولة قليلة كانت أم كثيرة. ويقتضي ذلك تركيزاً على مسألتي النمو الاقتصادي والتنمية البشرية من دون إغفال الجوانب الأخرى للنظام الاقتصادي والاجتماعي.
ولذلك يبدو ضرورياً مراجعة قراءة الأستاذ محمد حسنين هيكل، أو بالأحرى إعادة قراءته لثلاثة نظم حكم عربية في مرحلة سابقة تبدأ في مطلع القرن التاسع عشر وتنتهي بالنسبة لأحدها عند منتصف القرن العشرين. فقد بدت هذه القراءة الجديدة غير منصفة لتاريخ هذه النظم التي أقامتها ثلاث عائلات ملكية عربية هي العائلات العلوية والسعودية والهاشمية.
قدم الأستاذ هيكل هذه القراءة الجديدة في حلقة أخيرة من حلقات حديثه التليفزيوني في إحدى القنوات الفضائية، وهي تثير ملاحظتين: الأولى منهما أنها لم تتطرق إلى أداء نظم الحكم التي أقامتها هذه العائلات وما حققته في بلادها، خصوصاً النظامان المستمران حتى الآن في المملكتين العربية السعودية والأردنية الهاشمية.
فالسياق الذي جاءت فيه القراءة الجديدة لا يتسع لتقويم الأداء، لأن من شأن هذا التقويم أن يربك الافتراض الرئيس الذي قدمه هيكل باعتباره حقيقة تاريخية ثابتة، وهي أن العائلات الملكية الثلاث نشأت في ظل صراع إمبراطوري عالمي، ولعبت أدواراً مرسومة لها في إطار هذا الصراع، واعتمدت في وجودها واستمرارها على مساندة قوة أجنبية، ويعني ذلك أنها نظم مصنوعة من الخارج. وهذا النوع من النظم يعيش في تناقض مستمر مع شعبه في معظم الأحيان، مثلما كانت حال نظم "جمهوريات الموز" في أميركا اللاتينية. ولكن تقويم أداء النظامين الباقيين من بين النظم الثلاثة التي تناولها هيكل يثبت أنهما على العكس حققا لشعبيهما خيراً لا نجد مثله في النظم الجمهورية العربية كلها تقريباً.
وقد رأينا كيف أدمى رحيل الملك فهد بن عبدالعزيز الأسبوع الماضي قلوب السعوديين ومعهم كثرة غالبة من العرب.
فالمنهج الذي يعتمد تقويم الأداء معياراً للحكم على هذا النظام أو ذاك يتجاوز ظروف التكوين التاريخي في كثير من الأحيان. ولنا في التاريخ الحديث مرجع حافل بالأمثلة، فكم من نظم حكم وصلت إلى السلطة اعتماداً على القوة أو حتى على دعم أجنبي، ثم اكتسبت شرعية في مجتمعاتها دعمت مشروعيتها القانونية وكرستها.
فلو أخذ الأستاذ هيكل بمنهج تقويم الأداء لوجد ما يعرفه ونعرفه، وهو أن أداء معظم نظم الحكم الملكية العربية إن لم يكن كلها هو أفضل حالاً -وأحياناً بمراحل- مقارنة بأداء نظم الحكم الجمهورية التي وصلت إلى السلطة غالباً بقوة السلاح مقرونة بمساندة أجنبية أيضاً بالنسبة إلى بعضها.
ولو قارنا أداء نظام الحكم الملكي الأردني بأداء نظام الحكم الجمهوري المصري أو الجزائري مثلاً لوجدنا أن معدلات النمو الاقتصادي والتنمية البشرية في الأردن هي الأعلى بالرغم من أن هذه المملكة تفتقد أي موارد طبيعية بل تفتقر إلى مقومات الدولة. ولذلك كان تحويل إمارة شرق الأردن الصحراوية إلى دولة بمثابة معجزة من معجزات الإدارة، بينما كان تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلاد عربية "جمهورية" نتيجة ضعف شديد في الأداء على صعيد إدارة الدولة والمجتمع على حد سواء.
وإذا أدخلنا السعودية ضمن هذه المقارنة، بدت الصورة أكثر وضوحاً، ولكنها واضحة بما يكفي من دون إدخال السعودية حتى لا يقال إنها اعتمدت على ثروتها النفطية وما وفرته لها من موارد، بالرغم من أن نظام حكم جمهوري في العراق بدد موارد أكبر تشمل ثروة زراعية وإمكانات بشرية فضلاً عن ثروة نفطية لا تقل عما توفر للسعودية.
أما الملاحظة الثانية فهي الحديث عن عائلات ملكية عربية في التاريخ، بينما الأجدى هو البحث في كيفية بدء عملية تحول نظم حكم جمهورية إلى نظم شبه ملكية. بدأ ذلك في سوريا، وتوجد مخاوف من حدوث مثله في نظم حكم جمهورية عربية أخرى، حتى أنه عندما أعلن الرئيس علي عبدالله صالح في الشهر الماضي أنه يعتزم عدم تجديد ترشيحه لفترة رئاسية أخرى بعد انتهاء فترته الحالية في سبتمبر من العام القادم، أثيرت أسئلة كان أحدها عن احتمال أن يكون هذا الإعلان تمهيداً للإعداد لترشيح نجله لهذا المنصب.
وللأستاذ هيكل موقف معروف ضد توريث السلطة في أي نظام جمهوري، ولكن هذا الموقف لم يرتبط بتقويم عام لأداء النظم الجمهورية سعياً إلى فهم كيف يحدث هذا التطور في بعضها باتجاه ملكية فعلية. والمفترض أن يكون هذا البحث في أداء ن