بعد مرور ستة عقود على إلقاء القنبلة الذرية فوق هيروشيما يبقى هناك سؤال واحد يفتقد للجواب، وربما لا يوجد له جواب إطلاقا: هل يتعين على هؤلاء الذين لم تغلفهم سحابة الموت التي انبعثت من الانفجار أن يبدوا عميق امتنانهم لتلك الأسلحة لما جلبته من سلام وازدهار غير مسبوقين؟ لقد تعرضت القنبلة الذرية للكثير من القدح والانتقاد كإحدى أكثر الأدوات تدميرا في العالم، حيث لم تكتف بإلحاق الدمار والخراب باليابان، بل زرعت الخوف والاضطراب في نفوس الأجيال اللاحقة التي ظلت تعيش تحت شبح الموت.
لكن انظروا إلى أوروبا فقد كانت طيلة تاريخها المديد إحدى أشد البقع دموية على وجه الأرض، وقد بدت على الدوام وكأنها قارة تخصص أهلها في قتل بعضهم بعضاً والتباري في اكتشاف أشد الوسائل فتكا للقيام بذلك. وقد أدى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين دول مختلفة أفضت في مرحلة معينة إلى اندلاع الحروب العالمية حيث قضى الملايين من الناس. غير أنه ما إن أطل عصر الأسلحة النووية حتى تعلمت أوروبا كيف تعيش في سلام. وفي وقت كان مألوفا فيه أن تتحارب فرنسا وألمانيا مع بعضهما بعضاً، أصبح اليوم من المستحيل تخيل حدوث أمر مثل ذلك. وفي هذا الصدد يقول ستيفن ديفيد خبير أمني في كلية العلوم السياسية بجامعة جون هوبكينز "أعتقد أن ما حققته أوروبا من سلام يدعو للإعجاب وهو برأيي راجع إلى وجود الأسلحة النووية" ويضيف موضحا "إنه طالما أنك تتعامل بالأسلحة التقليدية، فإنه يمكن دائما أن تقنع نفسك بوجود أمل في النصر، وحتى إذا ما خسرت الحرب، فأنت تقول لنفسك إنها ليست نهاية العالم، لكن مع الأسلحة النووية فسواء انتصرت أو هزمت فإنها ستكون نهاية العالم. فكل من يملك الأسلحة النووية يدرك بأن الحرب صارت ضربا من الانتحار".
وبناء على هذا المنطق فإن ما ساد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من سباق تسلح خلال فترة الحرب الباردة جعل من الحرب أمرا مستبعدا. فجميع المناوشات كانت تجري على نطاق محدود وتقوم بها دول أخرى بالنيابة عن القوى العظمى كما حدث في كوريا وفيتنام وأفغانستان. لذا ربما كانت الأسلحة النووية وما خلفته من فظائع في هيروشيما ونكازاكي مسؤولة عن تعزيز السلم العالمي وإبعاد شبح الحرب المدمرة. وهذا ما يؤكده توماس شلينج من كلية الشؤون العامة في جامعة ميرلاند حيث يقول "أعتقد أنه لو لم تستعمل القنبلة الذرية في هيروشيما، فإنها كانت ستستعمل في مكان ما خلال الستة عقود الأخيرة".
ومع ذلك فهناك العديد من الناس لا تؤمن بالدور الذي لعبته الأسلحة النووية في الحد من الحروب. وفي هذا الصدد صرحت نانسي جلهار مختصة في مراقبة الأسلحة النووية في المركز الدولي للدراسات الأمنية التابع لجامعة ميرلاند "من الصعب بالنسبة لي أن أحدد دور الأسلحة النووية في تحقيق الأمن الدولي خلال الحرب الباردة. فهناك من يجادل أن تلك الأسلحة ساهمت في الاستقرار العالمي وهناك من يجادل بالعكس. لكن الحقيقة أن نجاحنا في اجتياز الحرب الباردة بسلام إنما هو راجع بالأساس إلى حسن الطالع لا أكثر" وتضيف جلهار أنه لم يكن من الضروري إلقاء القنبلة على هيروشيما لإقناع العالم بعدم استعمالها مرة أخرى. وفي نفس السياق يعتقد جار ألبرويتز من جامعة ميرلاند أنه لم يكن ضروريا استعمال القنبلة النووية لهزيمة اليابان مشيرا إلى أن الجنرال جورج مارشال كان قد اقترح إلقاء القنبلة في مكان بعيد بإحدى القواعد البحرية، وليس في المدن. ويذكر أن "إلقاء القنبلة لم يلاقِ استحسانا من جانب القادة العسكريين الأميركيين لأنهم كانون يدركون حجم الكارثة".
غير أنه حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظل خطر اللجوء إلى الأسلحة النووية حاضرا في الأذهان. وفي هذا المعنى يقول توماس شلينج إنه طيلة إدارة إيزنهاور كان وزير خارجيته جون فوستر دالاس يحثه على القول علانية إن الأسلحة النووية هي كباقي الأسلحة يمكن استعمالها ضد العدو في أي وقت. لكن مع مرور الوقت بدأت هذه النبرة العدائية في الخفوت، خصوصا في الإدارات الأميركية اللاحقة لجون كنيدي وليندون جونسون اللذين جنحا أكثر إلى السلام والأمن. وبالرغم من هذا الجدل الدائر حول الدور الحقيقي الذي اضطلعت به الأسلحة النووية إبان الحرب الباردة وهل كانت عامل استقرار أم عامل اضطراب، فإن الكل يجمع حاليا على خطورتها على الاستقرار العالمي. ويعبر عن ذلك ستيفن ديفيد عندما يقول "لو كنت أملك عصا سحرية في فترة الحرب الباردة وطلب مني التخلص من الأسلحة النووية بضربة منها لما فعلت، لكن أعطني تلك العصا الآن وسأتخلص من تلك الأسلحة على الفور".
ففي فترة الحرب الباردة وضعت بنيات عسكرية وسياسية معقدة تسهر على مراقبة الأسلحة النووية وتوجهها ضد العدو إن اقتضى الأمر مع الحرص الشديد على تلافي الوصول إلى تلك المرحلة واستبعاد إمكانية استعمال الأسلحة النووية. أما الآن فقد باتت تلك البنيات التي كان يملكها الاتحاد السوفيتي السابق مهترئة والظروف المحيطة بتلك الأسلحة غير آمنة. هذا بالإضافة إلى