بالتأكيد هناك الكثير من النماذج المتكرّرة من"الكفيل" الذي نشرت صحيفة "الاتحاد"، أمس الأول، قصة "نومه" لدرجة أنه حين أفاق وأراد أن يعرف عدد شركاته أو أنشطتها وعدد العاملين المكفولين لديه، ذهب إلى وزارة العمل لحصر ممتلكاته الوهمية بعد أن انفض الجميع من حوله! قصة "الكفيل النائم" تندرج ضمن "كلاسيكيات" سوق العمل المحلية، والمصطلح ذاته بات متداولا ومتعارفا عليه ضمن الأدبيات الاقتصادية التي تتناول أوضاع هذه السوق، ووزارة العمل من جانبها تحاول أن تتبنّى من الإجراءات ما ترى أنه يمكن أن يكون ضمانا لمحاصرة هذه الظاهرة والقضاء عليها على المدى البعيد، ومن ذلك أنها قامت بتغريم هذا "الكفيل النائم" نحو عشرة آلاف درهم عن كل منشأة قام بكفالتها وكفالة العاملين فيها من دون وعي أو إدراك لعواقب المسألة، بل إن تقريرا صحفيا قد أشار إلى أن د. علي الكعبي، وزير العمل والشؤون الاجتماعية، قد التقى هذا الكفيل النائم وتحدث معه للتعرّف إلى الأسباب التي أوصلته إلى تلك الحالة!
ونتوقع أن تسهم الإجراءات الجديدة في مجال نقل الكفالة، التي صدرت مؤخرا عن مجلس الوزراء، بفاعلية في تحجيم ومحاصرة العديد من الظواهر السلبية التي تكرّست في سوق العمل شريطة ألا نبطل فاعلية هذه الإجراءات بسلسلة من الاستثناءات اللاحقة التي تنسف مفعولها بدعوى معالجة الثغرات والإشكاليات الناجمة عن التنفيذ، فالاستثناءات أبطلت مفعول العديد من القواعد والقوانين، ووفّرت بوابات عبور للكثير من المتحايلين على القوانين والنظام والمصلحة العامة.
والمؤكد أن جهود الوزارة في مواجهة سلبيات سوق العمل تصبّ في خانة الإيجابيات ومن الصعب التهوين من شأنها، ولكن من الضروري القول بأن هذه الجهود والإجراءات قد لا تكفي لمواجهة هذه الظاهرة التي تتطلّب حصارا مجتمعيا شاملا يسهم فيه جميع أفراد المجتمع ومؤسساته ويرتكز على خطط مستمرة ومتواصلة لتعزيز الوعي بخطورة التأثيرات السلبية الناجمة عن المتاجرة بالتأشيرات والكفالات الصورية التي يمكن أن تحقق للمتاجرين بها مكاسب مادية قريبة في حين تلحق بالغ الضرر بمصلحة المجتمع وأمنه على المديين القريب والمتوسط. ولعلّ "التسريبات" التي نسبتها إحدى الصحف إلى مصدر في الإدارة العامة للجنسية والإقامة، والتي تفيد بأن عدد الخدم وعمال المزارع والسائقين الهاربين من كفلائهم يقدّر سنويا بنحو 20 ألف شخص على مستوى الدولة، علما بأن هذه الآلاف الهاربة لا تتبع وزارة العمل المعنية بملف عمالة الشركات الخاصة، تشير بوضوح إلى ما تنذر به مشكلة مثل العمالة الهاربة أو السائبة التي تمثل جانبا واحدا من إشكاليات سوق العمل المحلية.
وإذا كانت مراجعة التشريعات القانونية التي تتصدّى للعمالة السائبة والكفالة الصورية وغير ذلك توحي بكفاية هذه التشريعات من الناحية الإجرائية، فإن من الضروري رفع سقف الوعي الاجتماعي بخطورة هذه الظواهر والممارسات كي يمكن الحديث عن إمكانية محاصرتها أو على أقل التقديرات الحدّ منها مستقبلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية