إن صدقنا ما يرد في وسائل الإعلام وفي تقارير المنظمات الدولية ومكاتب إعداد الإحصائيات, إن صدقنا كل ما يقال فإن عدد العاطلين في دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات القليلة القادمة سيتجاوز سبعة ملايين عاطل!! نعم سعة ملايين عاطل والرقم موثق في العديد من الصحف الخليجية ولكم أن تتخيلوا معي سبعة ملايين شاب وشابه في عمر العطاء والإنتاج والإبداع لا يجدون فرصة عمل، ولكم أن تتخيلوا سبعة ملايين عقل خليجي مؤهل علميا ومنفتح على ثقافات وتقنيات العصر لا يجد سقفا أو مصحة أو مدرسة لأولاده! ولكم أن تتخيلوا سبعة ملايين يقتاتون على الإحباط اليومي ويوقدون مصباح العمر بزيت الحرقة وهم يعيشون بين محيطات من العمالة الوافدة والتي تحول بلايين الدولارات سنويا بينما يموت المواطن الخليجي بحثا عن ربطة خبز. ولكم أن تتخيلوا الغضب الداخلي لسبعة ملايين شاب خليجي وهم يراقبون عدادات شحن براميل النفط في الناقلات العملاقة وهي تمخر عباب المحيطات للكون كله ويبقى المواطن الخليجي منتظرا عوائد هذا البرميل أو ذاك وهو قادر على الضغط على أزرار الآلة الحاسبة مدركا أن سعر برميل النفط يصل إلى ما هو أبعد من 60 دولار اً وأن أرضه تصدر ملايين البراميل يوميا وبحسبة لا تحتاج إلى حاسوب خارق البرمجة سيجد المواطن الخليجي وحتى العربي نفسه صاحب دخل لا يقل عن عشرة آلاف دولار شهريا حتى وإن قعد يعمر الشيشة على باب منزله الآيل أصلا للسقوط. تخيلوا معي سبعة ملايين عاطل عن العمل متسكع في الشوارع أو مقبوض عليه خلف القضبان!! تخيلوا حرقة مواطن خليجي لا يستطيع إدخال أطفاله إلى المدرسة إذ لا توجد مدارس وإن وجدت لا توجد كتب وإن وجدت الكتب فالوزارة لا تستطيع تعيين مدرسين ومدرسات لأن المالية لم تفرج عن الميزانية. بين بلايين الدولارات ثمنا للزيت الأسود وبين مطرقة العوز والفقر وبين حياة مظهرية استهلاكية وبين زمرة من المطبلين والمهرجين الاقتصاديين والعقاريين ضيعت خطط التنمية الحقة التنمية بالإنسان ومن أجل الإنسان.
شكاوى وزراء التربية العرب لا تتوقف وهي تزداد حرقة يوما بعد يوم وحال التربية والتعليم يحتاج إلى إصلاحات جذرية ونسف لمفاهيم غسيل الدماغ والخرافة والوهم والتجهيل ومستويات الصحة في تدهور والأمثلة تحتاج إلى مجلدات لروايتها والموت كمدا لسماعها وحال السلع الأساسية والتي يتفنن الحاكم في رفع أسعارها ستقود لثورات اجتماعية وسياسية لا تحمد عقباها ولن تكون مجرد مظاهرات صاخبة وتكسير لزجاج السيارات ولكنها ستكون انهارا من دماء.
التنمية بالإنسان هدف استراتيجي يجب أن يكون في أولويات سلم التفكير بالمستقل. فلم تعد هناك معركة للمصير ولم يعد هناك عدو يجب رميه في البحر ولم تعد هناك أجندات مخفيه وكفانا بحثا عن عدو وهمي نعلق عليه كل قمصان فشلنا الذريع لنقف أمام المشهد التاريخي كأمة مهزومة من الداخل وفق أحقيات البقاء وليسأل القائمون على أمر النفط والغاز والحديد والكبريت والسياحة والعقار ماذا قدمنا للإنسان العربي؟
إن إخفاق برامج التنمية وارتفاع أسعار النفط وزيادة حدة الفوارق الطبقية وترهل الأغنياء ومعاناة الفقراء وانتشار الفكر المتطرف بغض النظر عن منبته واستهدافاته تحديات لا يمكن مواجهتها إلا ببرامج تنموية طموحة لا برامج لتشييد مصانع المحارم الورقية والفوط النسائية وعلب العلكة الثورية في دول يتساقط فيها الثمر ولا توجد طرق مواصلات لإيصال المحصول إلى موانئ التصدير بينما يموت الأطفال وهم يبحثون عن جرعة لقاح يقيهم السل أو الجدري أو الشلل. (بالمناسبة عاد شلل الأطفال والسل ليشكل تحديا للعديد من السلطات في الوطن العربي بعد أن اختفينا من العالم )!!! التنمية تعني اجتثاث المرض والفقر والأمية، هل تصدق معي وربما يكون هذا الكلام معادا ومكررا أن نسبة الأمية والعنوسة والطلاق والفقر والعوز والبطالة في الوطن العربي هي من أكبر النسب في العالم!! لا تستغرب ولكن طالع تقارير المنظمات الدولية لتعرف أن راتب ضابط كبير في دولة عربية زراعية نفطية تمتد سواحلها على أجمل الخلجان وفيها ثروة سمكية وحيوانية كبيرة، راتب الضابط في هذه الدولة لا يتجاوز 90 دولاراً أميركي شهريا ويا عجبي.
التنمية بالإنسان تعني أن يربى الإنسان على قيم التوفير والعمل واحترام المال العام! ولكن كيف يحترم مواطن عربي شريف المال العام وهو يشاهد المال يسرق يوميا وبه تشيد القصور وتحرق اليخوت في موانئ البذخ ومراسي الانحلال؟ كم قصرا شيده صدام؟ وكم قصوراً بمليارات الدولارات شيدت في الأوطان العربية والغرب وأميركا والجزر المجهولة والجزر المأهولة حول العالم؟ وعندما يتم تركيب جهاز للأشعة المقطعية تزعق وسائل الإعلام العربية أسبوعا أو شهرا بأكمله لتتحدث عن عبقرية المسؤول وحنكة المدير وعطاء الوطن لأبنائه وعندما يشيد كرافان خشبي يسمى مدرسة نموذجية تكتب معلقات شعرية وتعلق على كل مداخل الوزارة وفي مكتب الوزير وتنشر القصائد على صدر الصفحات كإعلانات مدفوعة الثمن لمداهنة صاحب الأيادي البيضاء